خريبكة تُشعل شاشاتها مجددًا

محمد طيب

مساء هذا اليوم -الثلاثين من ماي 2026-، حين تُضاء شاشات المركب الثقافي محمد السادس بخريبكة، ويتجمع صناع السينما الإفريقية قادمين من عشرات الدول، لن يكون ذلك مجرد افتتاح مهرجان سينمائي عادي. إنه لقاء تاريخي مع ذاكرة ممتدة عبر تسعة وأربعين عاماً، ذاكرة بدأت بحلم صغير في رحم الأندية السينمائية، وتحولت اليوم إلى منصة قارية لا يمكن تجاهلها في خريطة السينما الإفريقية العالمية.

الدورة السادسة والعشرون للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، المنظمة من 30 ماي إلى 6 يونيو 2026 تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ليست مجرد محطة سنوية في تقويم الأحداث الثقافية. إنها دورة استثنائية تحمل في طياتها عمقاً مضاعفاً. فمن جهة، تأتي في السنة التاسعة والأربعين من عمر مهرجان أثبت صموده في وجه العواصف والأزمات، ومن جهة أخرى، تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل السينما الإفريقية في عصر الثورة الرقمية وهيمنة منصات البث.

من شاشات الهواة إلى منصة للحلم الإفريقي

لفهم ما يمثله هذا المهرجان حقاً، لا بد من العودة إلى البدايات، إلى خريبكة في ربيع عام 1977، حين احتضنت المدينة ملتقى صغيراً نبع من حماسة الأندية السينمائية المغربية. لم يكن ثمة ميزانيات ضخمة، ولا تنظيم حكومي رسمي، ولا بنية تحتية مخصصة. كان هناك شغف حقيقي بالسينما، وإيمان بأن الفن السابع يمكن أن يكون لغة للحوار بين شعوب القارة الإفريقية.

وملتقى خريبكة لم يولد من فراغ. فقبله بسنوات، شهدت المحمدية عام 1974 أول ملتقى حول السينما المغاربية، ثم احتضنت مكناس عام 1976 لقاءً حول السينما العربية، قبل أن يُقرر المنظمون أن تكون المحطة الثالثة مكرسة للسينما الإفريقية بعيداً عن المدن السياحية وصخبها. فوقع الاختيار على خريبكة، مدينة الفوسفاط التي كانت تمزج آنذاك بين القوة الاقتصادية والحيوية الحضرية، وكان لها ناديها السينمائي النشيط الذي يعود تأسيسه إلى عام 1934.

قاد تلك التجربة الأولى الأستاذ نور الدين الصايل رحمه الله، الذي سيغدو لاحقاً عراب المهرجان ومحركه الأساسي على مدى عقود. وقد حظي الملتقى الأول بصدى دولي لافت، إذ أفرد له الناقد الفرنسي سيرج توبيانا مقالاً في مجلة ‘دفاتر السينما’ الذائعة الصيت، مما أكد للمنظمين أن ما يصنعونه يستحق الاستمرار.

مسيرة من الصمود والتجدد

لم تكن مسيرة المهرجان سهلة أو متصاعدة على وتيرة واحدة. فبعد الدورة الأولى عام 1977، مرت سنوات قبل أن تنعقد الدورة الثانية في سبتمبر 1983، والتي كانت أول تظاهرة تنظمها الجامعة الوطنية للأندية السينمائية وتحمل طابعاً رسمياً بدعم وزارة الثقافة ووكالة التعاون الثقافي والتقني بباريس. ثم جاءت الدورة الثالثة عام 1988 لتُحدث نقلة نوعية بإطلاق أول هوية بصرية للمهرجان، وبروز جوائز تقديرية أولى كجائزة الجمهور وجائزة النقاد.

أما الدورة الرابعة عام 1990، فكانت محطة فارقة بامتياز، إذ أُحدث فيها لأول مرة نظام الجوائز وأول لجنة تحكيم رسمية برئاسة السينمائي المصري توفيق صالح، مما أضفى على المهرجان بُعداً نقدياً ومهنياً جديداً. غير أن الدورة السادسة عام 1994 ستكون محطة أزمة حادة، خلافات تنظيمية وصراعات نفوذ أفضت إلى انقطاع دام ست سنوات كاملة، بات خلالها المهرجان غارقاً في الديون، وتحولت ذكراه إلى نوستالجيا في أفضل الأحوال.

لكن قلة من «المحاربين»، وهم أعضاء النادي السينمائي المحلي وبعض موظفي المجلس البلدي، وبعض من المخلصين لهذه التظاهرة، رفضوا القبول بنهاية المهرجان. شرعوا في لقاءات منتظمة وأنشطة مصغرة، حافظوا من خلالها على حضور المهرجان في الوجدان المحلي، حتى أعادوا إحياءه رسمياً في الدورة السابعة عام 2000، التي أعلنت تحوله من ‘ملتقى’ إلى ‘مهرجان’ بالمعنى الكامل. وفي عام 2002، انطلقت الدورة الثامنة تحت الرعاية الملكية السامية لأول مرة، مع افتتاح المركب الثقافي محمد السادس الذي بات يحتضن فعالياته إلى اليوم.

الدورة السادسة والعشرون: سياق استثنائي

تأتي الدورة السادسة والعشرون في سياق بالغ الخصوصية. فمن الناحية الرمزية، تحتفل بالذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس المهرجان، أي أنها تقف على عتبة اليوبيل الذهبي. ومن الناحية الموضوعية، تواصل طرح الأسئلة الكبرى التي بدأتها الدورة الخامسة والعشرون: كيف تواجه السينما الإفريقية التحولات الرقمية الكبرى؟ بعد أن تساءلت الدورة الماضية عن تأثير الذكاء الاصطناعي على السينما بشعارها ‘من جذبة الحكواتيين إلى صرامة الخوارزميات’، تعود الدورة الحالية لتطرح سؤالاً مكملاً: ‘Streaming ou rêve: le dilemme africain’، أي الستريمينغ أم الحلم، المعضلة الإفريقية.

على المستوى البرنامجي، تحفل الدورة بمكونات متنوعة ومتشابكة. فالمسابقة الرسمية تضم 26 فيلماً موزعة بين 14 فيلماً طويلاً و12 فيلماً قصيراً قادمة من أكثر من خمس عشرة دولة إفريقية، في تنوع جغرافي وثقافي يعكس الطموح القاري للمهرجان. والجمهورية الديمقراطية للكونغو ضيفة شرف هذه الدورة، في خيار يكرّم تجربة سينمائية إفريقية ثرية ومتنوعة. فضلاً عن ذلك، يُكرَّم الممثل المغربي يونس مغري والمخرج الكاميروني Bassek Ba Kobhio، وتنعقد الندوة الرسمية حول قضية الستريمينغ وتحدياته، ويُنظم ملتقى علمي دولي بمدينة بني ملال حول الكتابات الإفريقية والسرد السمعي البصري.

خريبكة: المدينة التي تبنّت الحلم

ثمة خيط دقيق يربط خريبكة بمهرجانها يتجاوز مجرد كونها مكان الاحتضان. فهذه المدينة التي لا تزخر بمعالم سياحية بارزة ولا تتوفر على إرث أثري استثنائي، وجدت في المهرجان هويتها الثقافية ومتنفسها الإبداعي. وقد تجلى هذا الارتباط العضوي أكثر ما تجلى في لحظة الأزمة بين 1994 و2000، حين أبى أبناء المدينة أن يتركوا مهرجانهم يتلاشى في صمت.

واليوم، تحتضن المدينة كل سنة أفضل ما أنتجته القارة الإفريقية من أعمال سينمائية. وتأتي هذه الدورة مدعومة بشراكات مؤسسية واسعة على رأسها المجمع الشريف للفوسفاط والمركز السينمائي المغربي والخطوط الملكية المغربية، إلى جانب الجماعات الترابية والمؤسسات الجهوية لجهة بني ملال خنيفرة.

المهرجان بوصفه نموذجاً للصمود الثقافي

يمثل مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية نموذجاً استثنائياً في تاريخ المهرجانات الثقافية، ليس فحسب بسبب عراقته وعمره الذي يناهز نصف قرن، بل لأنه نجا حيث فشلت أحداث ثقافية أخرى أكثر إمكانات وأقل عوائق. سر هذا النجاح يكمن في ثلاثة عوامل متشابكة، أولها الانتماء الحقيقي للأندية السينمائية التي أرست قيم النقاش والتعاون الجماعي، وثانيها الارتباط العضوي بمدينة خريبكة التي آمنت بالمهرجان حتى في أحلك لحظاته، وثالثها الانفتاح القاري الحقيقي الذي جعل منه منصة للحوار الإفريقي جنوب-جنوب.

وما زال المهرجان يحمل في جيناته هذا الإرث المزدوج، روح الأندية السينمائية التي تؤمن بالسينما كوسيلة للتفكير والتساؤل والحوار، وروح الاحتراف التي اكتسبها عبر دوراته المتعاقبة. وهذا التوازن الدقيق بين الهوية السينيفيلية الأصيلة والطموح المهني الدولي هو ما يجعل من مهرجان خريبكة تجربة فريدة لا تشبه أي مهرجان آخر في القارة.

وحين تُرفع الستارة على الدورة الحالية، سيحتفل المهرجان بأكثر من مجرد نسخة جديدة. سيحتفل بتسعة وأربعين عاماً من الإيمان بأن السينما الإفريقية تستحق منصة، وأن خريبكة تستحق أن تكون عاصمة لهذه السينما. وهج الشرارة الأولى التي أشعلتها الأندية السينمائية في سبعينيات القرن الماضي لم يخبُ، بل ازداد إضاءةً مع كل دورة جديدة.

Copyright © 2024