
نجيب مصباح-
في زمن يتطلع فيه المغاربة إلى إدارة أكثر قربا من المواطن وأكثر انفتاحا على قضاياه اليومية، يبرز نموذج المسؤول الترابي الذي لا يكتفي بتدبير الملفات من داخل مكتبه، بل يختار النزول إلى الميدان والتواصل المباشر مع مختلف فئات المجتمع.
فالإدارة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بمدى احترامها للمساطر، بل كذلك بقدرتها على الإنصات لنبض الشارع والتفاعل مع انتظارات الساكنة.
ولعل ما يُلاحظ في مدينة المحمدية يقدّم مثالًا لأسلوب جديد في العمل الإداري، حيث يحرص عامل الإقليم على الحضور الميداني والتواصل المباشر مع المواطنين والفاعلين المحليين. فالرجل يظهر في عدد من الأنشطة واللقاءات المجتمعية، سواء خلال مناسبات اجتماعية مثل الاحتفاء بيوم المرأة، أو أثناء تنظيم معارض للمنتوجات المحلية، أو حتى خلال جولاته داخل حدائق المدينة، حيث يلتقي بالمواطنين ويتبادل معهم الحديث حول قضاياهم وانتظاراتهم.
ولا يقتصر هذا الحضور على الأنشطة الرسمية فقط، بل يمتد إلى الانفتاح على رجال ونساء الإعلام، في إشارة إلى أن التواصل أصبح عنصرًا أساسيًا في تدبير الشأن المحلي، ومدخلًا لتعزيز الثقة بين الإدارة والمجتمع. فالمواطن اليوم لا ينتظر فقط صدور القرارات، بل يريد أن يشعر بأن المسؤول قريب منه، يسمع صوته ويتابع قضاياه.
هذا الأسلوب في التدبير يعكس إلى حد كبير روح «المغرب الجديد»، المبني على القرب من المواطن والإنصات لانشغالاته، بدل الاكتفاء بالمقاربات الإدارية التقليدية التي كانت تعتمد العمل من داخل المكاتب المكيفة بعيدا عن الواقع اليومي للساكنة.
غير أن هذا النقاش يعيد إلى الواجهة تجربة سابقة عرفها إقليم خريبكة، حين كان عامل الإقليم السابق السيد حميد اشنوري معروفا بأسلوبه التواصلي وانفتاحه على مختلف الفاعلين، حيث كان بابه مفتوحا أمام المواطنين والمنتخبين ووسائل الإعلام، في محاولة لخلق دينامية تواصلية تسهم في إيجاد حلول لقضايا الإقليم ومشاكله التنموية.
واليوم، ومع تولي هشام العلوي المدغري مسؤولية تدبير شؤون الإقليم، فقد سُجِّل حضوره خلال اللقاءات التشاورية التي دعت إليها السلطات العليا في البلاد، والتي تهدف إلى الاستماع والإنصات عن قرب لانتظارات المواطنين ومقترحات الفاعلين المحليين.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا بإلحاح: ما هي مخرجات هذه اللقاءات التشاورية؟ وأين وصلت خلاصاتها..؟ وهل تحولت فعلاً إلى برامج عملية ومشاريع ملموسة على أرض الواقع..؟
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في عقد اللقاءات أو فتح قنوات التواصل، بل في ترجمة تلك النقاشات إلى قرارات وإجراءات عملية تستجيب لتطلعات الساكنة. فالتواصل الميداني، مهما كان قويًا ومباشرًا، لا يكتمل إلا عندما يتحول إلى أثر ملموس ينعكس على حياة المواطنين.
ومن هنا، يبرز انتظار الفاعلين المحليين والمهتمين بالشأن العام لعقد لقاء تواصلي يوضح حصيلة هذه المشاورات، ويقدم تصورا واضحا حول الخطوات المقبلة. فالإدارة القريبة من المواطن ليست فقط تلك التي تنصت، بل أيضًا تلك التي تبادر إلى الحلول وتترجم الحوار إلى إنجازات.
إن الخروج من المكاتب المكيفة والاقتراب من نبض الشارع لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة في زمن تتزايد فيه تطلعات المواطنين إلى إدارة فعالة وقريبة منهم. وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح هذا النموذج هو مدى قدرته على تحويل التواصل إلى نتائج ملموسة تعزز الثقة بين المواطن والإدارة، وتؤكد أن روح «المغرب الجديد» ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تُقاس بمدى تأثيرها في حياة الناس.
Copyright © 2024