ظاهرة تُؤرّق خريبكة… من يحوّلها إلى محطة لتفريغ الأزمات البشرية في غفلة من القانون والمحاسبة؟!

نجيب مصباح-

في مشهد صادم يطرح أكثر من علامة استفهام، استفاقت مدينة خريبكة، ليلة أمس السبت مساءً، على واقعة غير مسبوقة تمثلت في تفريغ حافلتين محملتين بأشخاص في وضعيات هشة، في عملية تفتقد لأبسط شروط المسؤولية والتدبير الإنساني.

الحافلة الأولى كانت تقل مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، فيما ضمت الحافلة الثانية مواطنين مغاربة، من بينهم أشخاص يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية، إلى جانب آخرين لا تبدو عليهم أي أعراض، كانوا يتواجدون بمدينة مراكش قبل أن يتم ترحيلهم بشكل غامض نحو خريبكة، ليُتركوا في الشارع العام، وتحديدًا بمنطقة «جماعة الفقراء»، في مشهد يختزل حجم الارتباك في تدبير هذا الملف الحساس.

الواقعة تعيد إلى الواجهة سؤالا حارقا: هل تحولت خريبكة إلى نقطة لتصريف أزمات مدن أخرى..؟ ومن الجهة التي تصدر مثل هذه التعليمات التي تضرب في العمق كرامة الإنسان، وتفكك الروابط الاجتماعية عبر تشريد أشخاص عن عائلاتهم دون أي سند قانوني أو اجتماعي واضح..؟

ورغم هذا الوضع المقلق، سارعت السلطات المحلية والأمن الوطني، إلى جانب فعاليات جمعوية من بينها جمعية «شاب الخير» إلى التدخل بشكل إنساني ومستعجل، حيث تم تجميع الأشخاص المعنيين، والاستماع إليهم، ومعاينة أوضاعهم الصحية والاجتماعية. وقد كُشف، من خلال هذه العملية، عن حالات متعددة، من بينها بائع متجول تم ترحيله من مراكش، عبّر عن رغبته في العودة إلى «عاصمة النخيل» وطلب من السلطات التكفل بإرجاعه.

وفي سياق متصل، تم نقل حوالي 56 شخصًا ممن يعانون من أمراض واضطرابات نفسية إلى المركز الاستشفائي الجهوي ببني ملال، في خطوة استعجالية لتفادي تفاقم أوضاعهم الصحية، في ظل غياب توضيحات رسمية حول الجهة التي تقف وراء عملية الترحيل الجماعي.

غير أن ما يزيد من حدة الجدل، هو غياب أي مراقبة أو تدخل على مستوى السدود الأمنية، سواء من طرف الدرك الملكي أو الأمن الوطني، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول كيفية مرور هذه الحافلات، ومن سمح بوصولها إلى خريبكة دون مساءلة.

اليوم، لم يعد النقاش مقتصرًا على واقعة معزولة، بل أصبح يتعلق بنمط مقلق من “ترحيل الأزمات” بين المدن، في غياب رؤية وطنية منسجمة تحترم كرامة الإنسان وتضمن توزيعًا عادلًا للأعباء الاجتماعية.

فمن يتحمل المسؤولية..؟ ومن يوقف هذا النزيف الصامت الذي يُراد له أن يتم في الظل..؟

Copyright © 2024