
بقلم: عادل حسني –
تأتي الدورة السادسة والعشرون للمهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة لتؤكد مرة أخرى أن هذا الموعد الثقافي العريق لم يكن يوماً مجرد تظاهرة سينمائية عابرة، بل مشروعاً حضارياً وثقافياً متجدداً، استطاع عبر عقود من الزمن أن يحافظ على روحه وهويته ورسائله الكبرى. فمنذ انطلاقته على أيدي رواد الحركة السينمائية والنادي السينمائي بخريبكة، ظل المهرجان وفياً لفكرة أساسية مفادها أن السينما ليست مجرد صورة، بل وسيلة للحوار والتفكير والتقارب بين الشعوب.
وتحمل هذه الدورة أكثر من دلالة ثقافية وإنسانية. فمن جهة، اختار المهرجان أن يحتفي بالسينما الكونغولية، في اعتراف مستحق بإحدى التجارب السينمائية التي ساهمت في إثراء المشهد الثقافي الأفريقي، وقدمت أعمالاً عكست قضايا الإنسان الأفريقي وتطلعاته وأسئلته الوجودية والاجتماعية. ولم يكن هذا الاختيار سوى امتداد طبيعي لرسالة المهرجان في إبراز التنوع الثقافي للقارة والدفاع عن سينماتها الوطنية التي شكلت جزءاً من ذاكرتها الجماعية.
ومن جهة أخرى، خصص المهرجان لحظة وفاء للفنان المغربي الكبير Younès Mégri، أحد الوجوه البارزة التي نجحت في الجمع بين الموسيقى والسينما والإبداع الفني بمختلف تجلياته. فتكريم يونس ميكري لم يكن مجرد احتفاء بمسار فردي، بل اعتراف بجيل كامل من الفنانين الذين أسهموا في بناء المشهد الثقافي المغربي وأغنوا ذاكرته الفنية بأعمال ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور.
ولعل من أبرز ما ميز هذه الدورة أيضاً استحضار اسم المفكر والفيلسوف الراحل Edgar Morin، الذي ارتبط اسمه بالمهرجان عندما ترأس لجنة تحكيم إحدى دوراته. لقد كان حضور موران في خريبكة أكثر من مشاركة رمزية، إذ جسد التقاء السينما بالفكر، والصورة بالفلسفة، وأكد أن هذا المهرجان لم يكن فضاءً للفرجة فقط، بل منصة للنقاش والتأمل في قضايا الإنسان والمجتمع والثقافة.
وإذا كان لكل مهرجان ذاكرته الخاصة، فإن ذاكرة مهرجان خريبكة للسينما الأفريقية تظل مرتبطة بأسماء رجال ونساء آمنوا بالمشروع منذ بداياته الأولى. أولئك الذين حملوا حلم تأسيس مهرجان أفريقي من مدينة خريبكة، ونجحوا في تحويله إلى واحد من أعرق المواعيد السينمائية في القارة. منهم من غادرنا إلى دار البقاء، ومنهم من لا يزال شاهداً على المسيرة، لكن الجميع ظلوا أوفياء للفكرة الأولى، فكرة الثقافة كقوة للتغيير والتنمية والانفتاح.
إن الدورة السادسة والعشرين ليست مجرد محطة جديدة في سجل المهرجان، بل هي لحظة للتأمل في مسار طويل من العمل الثقافي الجاد، وللتأكيد على أن المؤسسات الثقافية الحقيقية تُبنى بالصبر والإيمان والوفاء للرسالة. كما أنها مناسبة للتأكيد على أن خريبكة لم تعد مجرد مدينة احتضنت مهرجاناً سينمائياً، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة السينمائية الأفريقية نفسها.
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتغير فيه الأولويات، يواصل مهرجان خريبكة للسينما الأفريقية أداء دوره كجسر بين الشعوب والثقافات، وكفضاء للاحتفاء بالإبداع الأفريقي في مختلف تجلياته. وبين تكريم السينما الكونغولية، والاحتفاء بيونس ميكري، واستحضار إدغار موران، تتجدد رسالة المهرجان: الوفاء للذاكرة، والانفتاح على المستقبل، والإيمان بأن الثقافة تظل دائماً أقوى من النسيان.
Copyright © 2024