
أشرف لكنيزي-
نحن جيل محظوظ، لأننا عايشنا انتصارات متتالية لوطننا العزيز المغرب على مختلف الأصعدة. جيلٌ سيظل محفورًا في ذاكرة التاريخ، وستنبهر الأجيال القادمة وهي تشاهد هذه اللحظات المضيئة، لا من روايات تُروى، بل من صور ومقاطع حية وثقتها الكاميرات عبر كل المنصات.
لقد تربينا في المؤسسات التعليمية على ترديد قسم المسيرة الخضراء، وملأت شعاراتها جدران مدارسنا، وشاركنا بكل فخر في تخليد ذكراها المجيدة، وسمعنا قصص المشاركين فيها من جيلٍ نذر نفسه للوطن، منهم من رحل ومنهم من لا يزال بيننا شاهداً على العظمة المغربية.
نحن جيل محظوظ لأننا عشنا مرحلة التحول الدبلوماسي الكبير الذي قاده بحكمة وتبصر “المهندس الصامت”، جلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل من الدفاع عن الوحدة الترابية مشروع أمة، ومن السياسة الخارجية أداة لبناء الثقة والمكانة الدولية.
صحيح أن المسيرة الخضراء سنة 1975 كانت لحظة تأسيسية لاسترجاع الأقاليم الجنوبية، لكنها لم تكن سوى البداية لمسيرة جديدة، مسيرةٍ دبلوماسية هادئة وعميقة، امتدت على مدى ربع قرن، غيّرت وجه الملف جذريًا، وحوّلته من قضية دفاعية إلى انتصار دبلوماسي مؤسس على الشرعية والمصداقية والإنجاز الملموس على الأرض.
منذ اعتلائه العرش، أدرك جلالة الملك أن الانتصار في قضية الصحراء لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن العمق الإفريقي، فكانت السياسة الإفريقية الجديدة للمغرب قائمة على التعاون، والتضامن، مما جعل المغرب فاعلاً قارياً مؤثراً.
أكثر من خمسين زيارة ملكية لما يزيد على ثلاثين دولة، وألف اتفاقية ومذكرة تعاون، شكلت جسورًا متينة بين المغرب وإفريقيا، تُوجت بالعودة المظفرة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، حيث اختار المغرب المواجهة بالحجة داخل المؤسسات، بدل الغياب عنها. وهكذا أصبحت القارة الإفريقية، التي طالما استُغلت ضد المغرب، اليوم أحد أبرز الداعمين لوحدته الترابية.
مبادرة الحكم الذاتي، التي اقترحها المغرب، ليست مجرد عرض تفاوضي، بل رؤية شاملة تقوم على مبدأ “الوحدة في إطار التنوع”، فهي تمنح للأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة لتدبير شؤونها المحلية في إطار السيادة المغربية، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية للهوية الحسانية الأصيلة.
وقد اعتبرها مجلس الأمن الدولي “جادة وذات مصداقية”، وجعلها مرجعية للحل السياسي الدائم، وهو ما يُعد اعترافًا أمميًا صريحًا بواقعية المقاربة المغربية.
اللهم احفظ ملكنا الهمام، جلالة الملك محمد السادس، وأدم على وطننا الأمن والاستقرار والرفعة، وزد حسادنا عدداً، فإن في الحسد شهادة على النجاح، فبعد أسابيع من الإنجاز الرياضي التاريخي، بفوز المنتخب المغربي للشباب بكأس العالم في الشيلي على حساب الأرجنتين، يعود المغرب ليُسطّر فصلاً جديدًا من مجدِه الدبلوماسي، ويُثبت للعالم أنه بلد لا يعرف المستحيل، بقيادة ملك حكيم وشعبٍ مخلصٍ ووطنٍ عريقٍ يسير بخطى واثقة نحو المستقبل.
Copyright © 2024