المحاماة بين أعطاب الداخل، وصمت التمثيل، وشهية التدخل


ذ/عزالدين فدني – (هيئة خريبكة)
لم تعد أزمة المحاماة في المغرب مجرد نقاش تقني حول النصوص القانونية أو خلاف مهني عابر، بل أصبحت مرآة صريحة لاختلال أعمق يطال علاقة المهنة بذاتها وبالدولة. فحين تفرغ المحاماة نفسها من مناعتها الأخلاقية والتنظيمية، وحين يغض ممثلو هيئاتها الطرف عن الممارسات المدمرة لمقوماتها، ويصمت مكتب الجمعية عن بعض القضايا الكبرى، سواء كانت وطنية أو عربية، فإن التدخل التشريعي – الذي تتحكم فيه المنطقية السياسية أكثر من القانونية، كما هو الحال في جميع القطاعات بما فيها القضائية – لا يكون مفاجئًا، بل يتحول إلى نتيجة منطقية لمسار طويل من الوهن.

بناءً عليه، يطرح هذا المقال السؤال الذي تم تأجيله طويلاً: من مهد الطريق لما يحدث اليوم باسم “الإصلاح”؟
كما يعلم جل المحامين والمحاميات، خاصة من يتابعون المشهد المهني عن كثب، أن مشروع تقييد مهنة المحاماة لم يأت من فراغ، ولم يولد فجأة من نزوة تشريعية معزولة عن السياق. بل إن الواقع المرير يفرض الاعتراف بأن الدولة، في شخص الحكومة الحالية، وجدت في ما راكمه الجسم المهني من أعطاب داخلية وصمت تمثيلي مقلق، أرضية خصبة للتدخل، بل وللتغول أحيانًا، تحت ذريعة الإصلاح والتنظيم.

أعطاب الداخل: حين تضعف المهنة من ذاتها
استشرى الفساد داخل بعض مفاصل المهنة، ليس كحالات معزولة، بل كظاهرة تغذت من الصمت، ومن التواطؤ أحيانًا، ومن غياب المحاسبة غالبا:
• فساد في الممارسة: حيث تراجعت أخلاقيات الدفاع، وتآكل الضمير المهني، وغابت الشجاعة القانونية في مواجهة الانتهاكات لصالح حسابات ضيقة ومصالح ظرفية.
• فساد في الولوج إلى المهنة: حيث حلت الرشوة والمحسوبية والزبونية محل الكفاءة في كثير من الحالات، فضيحة امتحانات المحاماة الأخيرة ( وقد شهدنا على ذلك كدفاع كما شهد بذلك وزير العدل نفسه إعلاميا ).

تحزيب فئوي، تمثيلية مأزومة، وصمت مريب
زاد الطين بلة تشتيت الجسم المهني بفعل التحزّب بين المحامين والمحاميات، ليس بالمعنى السياسي النبيل، بل بالمعنى الفئوي والانتهازي، حيث أقحمت المهنة في صراعات لا تخدم استقلالها، وأُفرغت الهيئات من دورها الترافعي لتتحول في بعض المواقع إلى فضاءات لتكريس الرداءة أو تصفية الحسابات.

على مستوى التدبير، محليا داخل الهيئات، ووطنيا عبر الجمعية الممثلة، كشفت السنوات الأخيرة عن اختيارات غير موفقة، وغياب رؤية استراتيجية، وعجز واضح عن إنتاج موقف مهني قوي يفرض احترام المهنة داخل المشهد المؤسساتي.

ويبرز هذا العجز بوضوح في مواقف الجمعية من القضايا الكبرى، حيث تحول الصمت إلى نهج، والتردد إلى سياسة. فقد وقفت الجمعية موقف المتخاذل من اتفاقية التطبيع، ورفضت إصدار أي توصية أو بيان واضح ضدها، رغم ما تطرحه من إشكالات قانونية وأخلاقية وحقوقية تمس جوهر العدالة وحقوق الشعوب، وتتعارض مع الدور التاريخي للمحاماة كضمير يقظ منحاز للحق والحرية. ناهيك أنها لم تنضم إلى هيئة الدفاع أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد مجازر الصهاينة. إن هذا الصمت لم يكن حيادًا، بل تخليًا صريحًا عن الدور الرمزي والحقوقي للمهنة.

ولم يتوقف هذا التخاذل عند القضايا المبدئية، بل امتد إلى قوانين جوهرية تمس صلب عمل المحامي ودوره داخل منظومة العدالة. فقد مر قانون المسطرة الجنائية، وهو العمود الفقري للممارسة اليومية للمحاماة، في ظروف شابها خرق واضح لمبدأ التشاركية، وبمسار تشريعي يثير شكوكا جدية حول احترامه للمقتضيات الدستورية، دون أن تبادر الجمعية إلى موقف قوي، أو تعبئة مهنية حقيقية، أو حتى اعتراض مؤسساتي بحجم خطورة النص.

والأمر نفسه ينسحب على قانون الإضراب، الذي فرّغ الحق الدستوري في الإضراب من مضمونه، وقانون الصحافة والنشر، الذي كرّس منطق الزجر والتقييد بدل توسيع فضاء الحرية. وكلها نصوص لها ارتباط مباشر أو غير مباشر بدور المحامي في الدفاع عن الحقوق والحريات، ومع ذلك ظل موقف التمثيلية المهنية باهتًا، إن لم يكن غائبًا، وكأن الأمر لا يعني المهنة إلا عند المساس بمصالحها الضيقة.

صمت الجمعية ودعوة للتدخل
في هذا السياق المختل، لم يكن غريبًا أن تجد الدولة في هذا الضعف الداخلي وهذا الفراغ الترافعي مدخلاً مريحًا للتدخل التشريعي في مهنة المحاماة. فالسلطة لا تضيق على مهنة متماسكة، ولا تتجرأ على هيئة قوية قادرة على فرض شروط الحوار. لكنها تفعل ذلك حين ترى مهنة مشتتة، وتمثيلية صامتة، ونقاشًا داخليًا عاجزًا عن إنتاج بدائل.

إن الدفاع عن المحاماة اليوم، من منظور واقعي ومسؤول، لا يمكن أن يختزل في رفض انفعالي للنصوص، ولا في خطابات تخويفية تجيد توصيف الخطر دون تقديم بديل. كما لا يمكن أن يقوم على التمسك باستقلالية شعاراتية تُرفع عند الحاجة، وتُعلق عند القضايا الكبرى. فالاستقلالية التي لا تمارس، ولا تترجم إلى مواقف واضحة، ولا تحمى بنصوص وضمانات، تتحول إلى مجرد واجهة لغوية.

الطريق إلى الدفاع الحقيقي عن المهنة
الدفاع الحقيقي عن المحاماة يمر حتما عبر المشاركة الفعلية في صياغة القوانين المؤطرة لها، لا من موقع التبعية، بل من موقع الندية والمسؤولية. ويمر عبر اقتراح بدائل دقيقة، وصياغة نصوص تحصن الحرية بدل الاكتفاء بالدعوة إليها. لكنه يمر، قبل كل شيء، عبر مواجهة أعطاب الداخل بشجاعة:
• تطهير شروط الولوج إلى المهنة،
• ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الهيئات والجمعية،
• إعادة الاعتبار للكفاءة وأخلاقيات الدفاع،
• واستعادة الجرأة في المواقف الوطنية والحقوقية.
المحاماة في المغرب ليست ضحية بريئة فحسب، كما أنها ليست متهمة بالكامل. إنها اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما أن تستمر في الهروب إلى الأمام، وتحمل الدولة وحدها مسؤولية ما يجري، فتفتح الباب لمزيد من الوصاية؛ أو أن تمارس نقدًا ذاتيًا صريحًا، وتعيد بناء تمثيليتها ومواقفها، فتفرض استقلالها كحقيقة واقعية لا كهبة تشريعية.

Copyright © 2024