
✍️ عبدالله الفادي
وأنا أتابع ما يتداول من أخبار وردود فعل حول مباريات المنتخب الوطني المغربي في منافسات كأس إفريقيا للأمم، خاصة النزال الأخير أمام منتخب مالي، الذي انتهى بالتعادل الإيجابي في نتيجة لم ترق لطموحات الجمهور المغربي الساعي إلى معانقة الكأس الغائبة منذ ما يقارب نصف قرن، استوقفتني تدوينة على أحد حسابات “فيسبوك”، أقل ما يمكن وصفها به أنها رخيصة، تعكس مستوى متدنيًا في الوعي والخطاب.
صاحب هذه التدوينة خرج عن السياق العام للنقاش الرياضي المسؤول، الذي انصب في مجمله على ما جرى فوق رقعة الملعب من أداء اللاعبين، اختيارات الطاقم التقني، تعامل المدرب مع مجريات اللقاء، قرارات التحكيم، وقيمة الخصم، وهي عناصر طبيعية في أي تحليل كروي موضوعي.
غير أن صاحب التدوينة اختار الانزلاق إلى منحدر آخر، حين تناول تدخل المدافع المغربي “جواد الياميق” على مهاجم منتخب مالي، والذي أسفر عن ضربة جزاء منحت الخصم هدف التعادل، تدخل يمكن أن يصدر عن أي لاعب في العالم، ويناقش حصريًا من زاويته الرياضية والتقنية، دون تحميله أبعادًا خارج الميدان.
لكن المثير للأسف أن صاحب الحساب أعاد الواقعة إلى مسقط رأس اللاعب، متسائلًا بسخرية واستعلاء “ماذا تنتظر من لاعب قادم من خريبكة؟”، في إساءة واضحة للمدينة وأبنائها، وفي تحقير مجاني لا يعكس سوى ضحالة فكرية، أكثر مما يقدم أي إضافة للنقاش الكروي.
هذا الفكر الرخيص لا يمكن أن يجد له موطئ قدم في بلادنا، لأن المغرب لم يكن يومًا تجمعًا القبائل أو أقاليم أو جهات، بل كان وسيظل أمة واحدة موحدة، صهرتها لحظات تاريخية فاصلة، بقيادة ملك البلاد، وحارب أبناؤها الفرقة والنزعات الضيقة منذ زمن بعيد، حين صدح المغاربة باللطيف في وجه كل ما يهدد وحدتهم وتماسكهم.
فالانتماء الإقليمي أو القبلي لا قيمة له عندما يتعلق الأمر بالوطن، ولا يمكن أن يكون معيارًا للحكم على كفاءة لاعب أو إخلاصه لقميص المنتخب الوطني، المنتخب يمثل جميع المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، دون تمييز ولا مفاضلة إلا بالعطاء داخل رقعة الملعب.
صحيح أن ما صدر يظل سلوكًا فرديًا معزولًا، نشر على منصة افتراضية لا تعكس وعي المجتمع المغربي، ولا يستحق في حد ذاته تضخيمًا أو تهويلًا، غير أن التساهل مع مثل هذه الخطابات، حتى وإن بدت هامشية، يظل أمرًا غير محمود، لأن فتح المجال أمام خطاب التحقير والتمييز، ولو في الفضاء الرقمي، قد يؤدي إلى تسلل سلوكيات مرفوضة، وهو ما يستوجب التعاطي معها بالمسؤولية اللازمة، وفي إطار الردع بالقانون.
وليس المقام هنا للدفاع عن مدينة خريبكة، ولا للغوص في أدوارها الاقتصادية كقطب منجمي ذي حضور عالمي، ولا للتذكير بتاريخها الرياضي العريق من خلال نادٍ يفوق عمره مائة سنة، ولا للحديث عن تلقيبها بمدينة الرياضات الأنيقة، بحكم ريادتها المبكرة في رياضات الكارتينغ، والغولف، والسباحة، والفروسية، ووو..ولا حتى لاستحضار إشعاعها الثقافي الضارب في الجذور، كوجود أقدم نادٍ سينمائي في أفريقيا إلى حركية ثقافية شكلت جزءًا من الذاكرة الوطنية.
كما أن المقام لا يتسع للعودة إلى تاريخ النضال العمالي، حيث شهدت خريبكة أولى الإضرابات، ومنها انطلق العمل النقابي المنظم، ومرت أولى سكك القطار، وظهرت أول مؤسسات بنكية، وجامعة لكرة القدم، وغيرها من المحطات التي نعتز بها، إلى فخر اشتعال ثورة الملك والشعب وبطولات الكفاح من أجل الحرية الانعتاق، لكنها في هذا السياق لا تضيف جديدًا للنقاش.
بل لعل الأجدر بنا، نحن أبناء خريبكة، أن نقف وقفة نقد ذاتي صريحة، وأن نلوم أنفسنا قبل غيرنا على الانغماس المفرط في السلبية، وعلى جلد الذات بلا رحمة، لا يعجبنا العجب، ولا يروق لنا أي شيء، حتى أصبحنا، عن وعي أو بدونه، مدمنين على تسويق صورة عدمية عن مدينتنا عبر الفضاءات الرقمية، وكأنها معزولة، بلا تاريخ ولا إمكانات.
نساهم، للأسف، في إعادة إنتاج نفس الخطاب المحبط، ونمنح الذرائع لكل من يختزل المدينة في صورة نمطية جائرة، بدل أن نكون في طليعة المدافعين عن مكاسبها، والمنتبهين إلى اختلالاتها في الآن نفسه، دون تهويل ولا تبرير.
وأقول هذا الكلام من موقع التجربة، لا من باب التنظير، فأنا واحد ممن قضوا أزيد من ثلاثين سنة في الدفاع عن خريبكة عبر وسائل الإعلام، من خلال منابر وطنية، منها من تشرفت بإصدارها، من بينها “الصحيفة الأولى” والمجلة الورقية “أنباء خريبكة”، فضلًا عن حضور برامج إذاعية وتلفزيونية وملتقيات وندوات متعددة، ما زلت متمسكًا بقناعة راسخة مفادها أن خريبكة مدينة معطلة على أكثر من مستوى، وتحتاج إلى نفس في التفكير والتدبير، غير أن هذا لا ينفي وجود مكاسب حقيقية يجب تثمينها، والدفاع عنها، وتسويقها بذكاء، لأن المدن لا تبنى بلغة السوداوية، كما لا تتطور بجلد الذات فقط، بل بتوازن دقيق بين النقد الصريح والإيمان بالإمكانات.
Copyright © 2024