
✍️عبدالله الفادي
تختلف مباراة المنتخب الوطني أمام نظيره الكاميروني في ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم عن باقي مواجهات البطولة، ليس فقط لقيمة الخصم وثقله التاريخي في القارة السمراء، بل لأنها مواجهة تستعاد فيها ذاكرة مثقلة بالجراح، وذكريات ماضية ما تزال حاضرة بقوة في الوجدان الكروي المغربي، مهما تعاقبت الأجيال وتغيرت الظروف.
عندما احتضن المغرب نهائيات كأس إفريقيا للأمم سنة 1988، كان الاعتقاد السائد أن جيل مونديال مكسيكو 1986، الذي أبهر العالم وبلغ الدور الثاني، من المستحيل أن يفرط في اللقب القاري، وأن يعيد أمجاد تتويج 1976، أسماء من وزن، بادو الزاكي، البياز، الظلمي، الغريسي، كريمو، الحداوي، بودربالة، التيمومي، الغرف، كريم وغيرهم، كنا نعتقد أنه من المستحيل أن تهزم في قلب مركب محمد الخامس، جعلتنا نعيش على وقع حلم بدا قريب المنال.
لكن كرة القدم لا تعترف بالمنطق ولا الأمنيات، ففي نصف نهائي تلك الدورة، جاءت مواجهة الكاميرون لتقلب كل التوقعات، وتتحول إلى واحدة من أكثر المباريات قسوة في تاريخ الكرة المغربية. مباراة لم تكن مجرد خسارة، بل جرحًا ظل حاضرًا في الذاكرة.
ذلك اللقاء عرف أحداثًا درامية زادت من مرارته، من بينها الاعتداء الواضح الذي تعرض له حسن موحد بدون كرة من طرف أندريه كانا بيك، كما شهد الشوط الثاني إعلان ضربة جزاء لصالح الكاميرون، حبست أنفاس المغاربة، نفدها فرانسوا أومام بييك، وتصدى لها ببراعة الحارس العملاق بادو الزاكي، نجم مايوركا آنذاك، ليبقي الأمل حيًا ولو مؤقتًا.
غير أن الصمود لم يكتمل، فقبل ربع ساعة من نهاية المباراة، نجح سيريل ماكاناكي في تسجيل هدف قاتل، كان كافيًا ليبدد الحلم، ويفسد على المغاربة فرحة عرس التنظيم وطموح التتويج، ويلغي تكريم جيل كبير من اللاعبين، كان يستحق أن يخلد بلقب قاري، تحت قيادة المدرب المخضرم الراحل المهدي فاريا.
تلك الليلة التي لم ولن تنسى – 13 مارس 1988 – لم تكن حزينة فقط على اللاعبين والجماهير في المدرجات، بل امتد أثرها إلى كل بيت في المغرب، وافسدت علينا نحن الأطفال صفوة العطلة المدرسية الربيعية.
بعد هذه البطولة، دخل المنتخب الوطني المغربي مرحلة فراغ طويلة ومؤلمة، تمثلت في الإخفاق في التأهل إلى نهائيات كأس العالم بإيطاليا 1990، وعن كأس إفريقيا للأمم بالجزائر.
ومنذ ذلك الموعد، لم تعد مواجهة الكاميرون بالنسبة للمغاربة مباراة عادية، بل صارت محملة بإرث نفسي ثقيل، مهما اختلفت الأسماء وتبدلت الظروف.
اليوم في ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم، تتجدد المواجهة في سياق مختلف ومعطيات جديدة، منتخب مغربي أكثر نضجًا وتوازنًا، بخبرة عالمية حديثة، وبلاعبين محترفين في أعلى المستويات، يقابل منتخبًا كاميرونيًا لا يقل طموحًا ولا يتخلى عن هويته القتالية.
هي إذن مباراة تتجاوز حدود التأهل إلى نصف النهائي، إلى المصالحة مع الذاكرة، والعبور إلى تحقيق المستحيل الذي نطارده منذ نصف قرن من الزمن.
Copyright © 2024