
أشرف لكنيزي-
من بين قمم جبال الألب السويسرية، وفي أجواء يختلط فيها صقيع الطبيعة بحرارة النقاشات المصيرية، ينعقد منتدى دافوس 2026 في لحظة عالمية دقيقة تطبعها توترات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، وتحديات كبرى تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الدولي، وقدرته على الصمود أمام التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
ويستقطب هذا الموعد السنوي، الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي، ما يقارب ثلاثة آلاف مشارك من قادة الدول والحكومات، وكبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية، ورؤساء الشركات متعددة الجنسيات، إلى جانب نخبة من الخبراء والباحثين والإعلاميين، في تجمع يُعد من بين الأكثر تأثيراً في توجيه النقاشات الكبرى المرتبطة بالاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا، والمناخ، والأمن، والتعاون الدولي.
وسط هذا الزخم الدولي، تسجل المشاركة المغربية حضوراً لافتاً من خلال ابن مدينة خريبكة، حسن مغيث، مدير شركة «Energy Vision»، الذي يشارك في أشغال المنتدى باعتباره فاعلاً في مجال الطاقة والاستثمار في الحلول المستدامة، في وقت بات فيه ملف الانتقال الطاقي أحد أكثر القضايا إلحاحاً على أجندة صناع القرار العالميين. مشاركة مغيث تعكس انتقال الكفاءات المغربية من هامش المتابعة إلى قلب النقاش الدولي، خاصة في ما يتعلق بالتحديات المرتبطة بأمن الطاقة، والطاقات المتجددة، والتنمية المستدامة في الدول الصاعدة.
وفي تصريح له لجريدة «التميز ميديا» الإلكترونية من دافوس، أكد حسن مغيث أن العالم يمر بمرحلة مفصلية تفرض إعادة النظر في النماذج الاقتصادية والطاقية السائدة، مشدداً على أن التحول نحو الطاقات النظيفة لم يعد ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وأضاف أن مثل هذه المنتديات الدولية تتيح فرصة حقيقية لتبادل الرؤى، وبناء شراكات عابرة للحدود، والدفاع عن مقاربات تجعل من الطاقة المستدامة رافعة للتنمية وخلق الثروة، خصوصاً في إفريقيا والعالم العربي.

وتنعقد دورة هذا العام في سياق جيوسياسي بالغ التعقيد، تطغى عليه عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى واجهة القرار الدولي، وما صاحب ذلك من سياسات حمائية أعادت إشعال التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من تباطؤ النمو، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتراجع الاستثمارات. هذه المعطيات تجعل من دافوس منصة مركزية لمحاولات احتواء التصعيد، وإعادة فتح قنوات الحوار بين القوى الاقتصادية الكبرى.
وفي موازاة ذلك، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه بقوة داخل نقاشات المنتدى، بين وعوده بتحفيز النمو والإنتاجية، ومخاوفه من فقدان الوظائف واتساع الفوارق الاجتماعية، في ظل سعي الحكومات إلى إيجاد توازن دقيق بين التنظيم وحماية الابتكار. كما تحضر قضايا المناخ والأمن الطاقي بقوة، باعتبارها ملفات لم تعد منفصلة عن الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي.
وبين ثلوج دافوس وبرودة المشهد الدولي، يبدو أن القلق يطغى على التفاؤل، في عالم يزداد انقساماً وتنافساً. ومع ذلك، تظل مشاركة فاعلين من حجم حسن مغيث مؤشراً على أن النقاش العالمي لم يعد حكراً على القوى التقليدية، وأن مدناً مغربية مثل خريبكة بات لها حضور، ولو رمزياً، في فضاء تُصاغ داخله تصورات المستقبل.
ويبقى السؤال المطروح، كما في كل دورة، ما إذا كان دافوس سينجح في تحويل هذا الزخم الفكري إلى سياسات عملية، أم سيظل منصة للنقاش أكثر منه أداة للتغيير الفعلي ..؟
Copyright © 2024