الكلفة السياسية والمالية والحقوقية لتوقف المحامين في زمن الأزمات المالية والاجتماعية للمغرب

✍️ ذ/ عزالدين فدني
لم تعد الازمة التي تسبب فيها مشروع قانون مهنة المحاماة وتعنت الحكومة ومعها وزير العدل لسحبه، شأناً مهنياً ضيقاً، بل تحوّل إلى أزمة حقيقية ذات انعكاسات مباشرة على الدولة والمجتمع. فشلل المحاكم الناتج عن توقف المحامين عن العمل أدى إلى تعطيل آلاف الملفات، وتأجيل الجلسات، وتجميد المساطر، وهو ما انعكس سلباً على مداخيل صناديق المحاكم التي تشكل مورداً مالياً مهماً ضمن ميزانية الدولة، من خلال الرسوم القضائية والواجبات المرتبطة بالإجراءات المختلفة.
وتشير تقديرات متداولة داخل الأوساط القضائية إلى أن هذه الصناديق تدرّ سنوياً عشرات الملايين من الدراهم، وأن استمرار توقف العمل بالمحاكم يحرم خزينة الدولة من مداخيل شهرية تُقدّر بملايين الدراهم، وهو نزيف مالي يصعب تبريره، خاصة عندما يكون سببه تعنّت سياسي وإصرار على تمرير مشروع قانون يفتقد للإجماع.
وتزداد خطورة هذا الوضع في سياق وطني دقيق، حيث يعيش المغرب خلال هذه الأيام على وقع فيضانات خلّفت خسائر مادية جسيمة، مست البنيات التحتية والممتلكات الخاصة، وتستدعي تعبئة موارد مالية ضخمة لإعادة الإعمار ودعم المتضررين. وتشير تقديرات أولية إلى أن كلفة هذه الخسائر قد تصل إلى مئات الملايين من الدراهم، ما يجعل الحفاظ على الموارد المالية العمومية وترشيد القرارات السياسية ضرورة ملحة لا تحتمل العبث أو الحسابات الضيقة.
وإلى جانب الكلفة المالية، فإن الأثر الأخطر يطال المتقاضين، سواء الأحرار منهم أو المعتقلين. فتعطيل المحاكم وغياب المحامين يمسّ جوهر الحق في الدفاع، ويقوض أسس المحاكمة العادلة، كما هي مضمونة دستورياً ومكرسة في المواثيق الدولية التي التزم بها المغرب. فالمحامي ليس عنصراً ثانوياً في العدالة، بل هو شريك أساسي في تحقيقها، وغيابه القسري يحوّل العدالة إلى مسطرة ناقصة فاقدة للتوازن.
إن استمرار الحكومة في تجاهل مطالب المحامين، ورفضها فتح حوار جاد ومسؤول، لا ينسجم مع خطاب الإصلاح ولا مع متطلبات المرحلة، بل يعكس قصوراً في تدبير الخلافات الاجتماعية والمؤسساتية. فالقوانين لا تكتسب مشروعيتها بالقوة أو بالإصرار، وإنما بالتوافق، واحترام الأدوار، والإنصات للفاعلين المعنيين بها.
وأمام هذا الواقع، يصبح الإصرار على تمرير مشروع قانون مرفوض مهنياً، دون توافق أو إشراك حقيقي، قراراً سياسياً مكلفاً لا ينسجم مع خطاب ترشيد النفقات ولا مع دعوات التضامن الوطني في زمن الأزمات. فالدولة القوية لا تقاس بقدرتها على فرض القوانين، بل بحكمتها في إدارة الخلافات، وحسن تقديرها لأولويات المرحلة، وفي مقدمتها حماية الحقوق الدستورية للمواطنين، وضمان السير العادي لمؤسسات العدالة، وصون الموارد المالية العمومية من الهدر.

Copyright © 2024