دليل عملي لبعض المخالفات المهنية: وقفة تأمل بالمناسبة

بقلم: ذ/عزالدين فدني
تقديم لابد منه: ونحن على أبواب إعادة الروح إلى المحاكم – ولو مؤقتاً – ارتأيت أن أستثمر هذه المناسبة لنقف وقفة تأمل مهني صادق مع دواتنا كجسم مهني موحد،بصرف النظر عن كل اختلاف حزبي أو سياسي أو ايديولوجي أو حتى ديني.

إن توقفنا محامين ومحاميات خلال هذه المدة ،دفاعاً عن استقلال المهنة وحصانتها، ورفضاً لأي مشروع قانون يمسّ بهما، لا ينبغي أن يفهم فقط باعتباره موقفا احتجاجياً، بل أيضاً باعتباره لحظة مراجعة داخلية مسؤولة.

فالدفاع عن استقلال المهنة يبدأ أولا من داخلها؛ من سلوكنا اليومي، ومن مراجعتنا للممارسات التي قد تتعارض – عن قصد أو بغيره – مع مبادئ الشرف، والاستقلال، والنزاهة، والإخلاص لرسالة الدفاع.وبتعبير آخر، فإن جانباً مهماً من الإخلال بصورة المهنة لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، بل بالممارسة العملية اليومية للمحامي.وفي هذا الإطار، أقدم لزملائي وزميلاتي هذا الدليل العملي لبعض المخالفات المهنية، لا بقصد التنظير أو إصدار الأحكام، وإنما على سبيل التذكير، عسى أن يفيد الجميع – متمرنين ورسميين – في تجنب مزالق قد تُضعف حجتنا ونحن نطالب بحماية استقلالنا.

فالمهنة التي تحاسب ذاتها، تكون أقوى في الدفاع عن نفسها.
والمحاماة رسالة قبل أن تكون موقعاً أو امتيازاً.وقد اعتمدت في إعداد هذا الدليل على بعض القرارات الصادرة عن محكمة النقض، والتي جمعها زميلنا الأستاذ عمر أزوكار في مؤلفه المحاماة من خلال العمل القضائي.وأقدمه لكم ،بصرف النظر كذلك عن موقف كل واحد منا من هذه القرارات، إيجاباً أو سلباً، اتفاقاً أو معارضةً، إذ ليس الغرض تبنيها أو مناقشتها، بقدر ما هو استحضار ما استقر عليه العمل القضائي في تقييم بعض السلوكات المهنية، حتى نكون على بيّنة من حدود المسؤولية التأديبية .

أولاً: مخالفات تتعلق بالأمانة والنزاهة المالية
• توصل المحامي بواجبات الكراء وتقاعسه عن أدائها للموكل (المكتري).
• تسليم شيك دون مؤونة.
• تسلم مبالغ من الزبون دون أداء وصل.
• عدم إيداع وديعة بصندوق المحكمة (صندوق الودائع).
• عدم إيداع مبلغ الشفعة المتوصل به من الموكل.
• التوصل بحصة من الشيء المتنازع بشأنه عن طريق هبة بعد الالتزام بأداء المصاريف دون القيام بالإجراءات اللازمة (دعوى القسمة).
• اقتناء حقوق في نزاع تولى الدفاع فيه ولو بالمزاد العلني.

ثانياً: مخالفات تتعلق باستقلالية المهنة وكرامتها
• الاتفاق مع الغير لجلب الزبناء بمقابل.
• السماح للغير بتوقيع المذكرات.
• التواجد مع ضحية حادثة سير بالمصحة للتفاوض دون إشعار النقيب.
• مزاولة عمل خارج النطاق المهني.
• التسجيل بالسجل التجاري بصفة رئيس مجلس إدارة شركة تجارية.
• مزاولة المهنة خلال فترة التوقيف (انتحال صفة).

ثالثاً: مخالفات مرتبطة بعلاقة المحامي بموكله
• النيابة دون توكيل كتابي أو شفوي.
• مواصلة النيابة في ملف سبق لزميل أن ناب فيه دون إذنه.
• تولي الدفاع دون التأكد من توصل الزميل السابق بأتعابه.
• التنازل عن الدعوى على نحو لا يخدم مصلحة الموكل.
• الاحتفاظ بوثائق الملف بعد تجريده من التوكيل.
• إفشاء السر المهني أو استعمال معلومات ضد الموكل.
• تفريط المحامي في وثائق موكله.
• الامتناع عن إخبار الموكل بمآل قضيته.
• عدم مواصلة إجراءات التنفيذ.

رابعاً: مخالفات مرتبطة بعلاقة المحامي بزملائه وبالهيئة
• حضور عملية تنفيذ دون إذن النقيب وإعاقة التنفيذ.
• رفض استلام استدعاء مجلس الهيئة أو استقبال أحد أعضائها.
• نعت خصم الموكل بأقوال نابية.
• مسؤولية المحامي صاحب المكتب عن أعمال المحامي المساعد.

خامساً: أخطاء إجرائية جسيمة
• تقديم استئناف في مواجهة شركة التأمين دون إدخال المسؤول المدني والحكم بعدم القبول.
• النيابة عن جميع الورثة مع أن التكليف اقتصر على بعضه.

خلاصة : إن التوقف الذي خضناه اليوم دفاعاً عن استقلال المهنة وحصانتها ليست مجرد محطة احتجاج عابرة، بل هي تأكيد جماعي على أن المحاماة قيمة قبل أن تكون تنظيماً، ورسالة قبل أن تكون ممارسة يومية.
غير أن قوة مطلبنا في الخارج تظل رهينة بصلابة سلوكنا في الداخل. فحين نطالب بصون استقلالنا، فإن أول ما يقوي موقفنا هو احترامنا الصارم لأخلاقيات مهنتنا، وحرصنا على النزاهة، والتزامنا بواجباتنا تجاه موكلينا وزملائنا وهيئاتنا.
لقد بيّنت الاجتهادات الصادرة عن محكمة النقض أن صورة المهنة تُبنى أو تُهدم بتفاصيل الممارسة اليومية. ومن ثمّ، فإن مراجعة الذات ليست ضعفاً، بل دليل نضج مهني ومسؤولية جماعية.
فلنجعل من هذه المحطة مناسبة مزدوجة:دفاعاً قوياً عن استقلال المهنة في مواجهة كل ما قد يمسه،وتجديداً صادقاً للعهد مع قيم الشرف، والاستقلال، والاستقامة.فالمحاماة التي تنتصر لقيمها من الداخل، أقدر على فرض احترامها من الخارج.
والمهنة التي تتجدد أخلاقياً، تتجدد قانونياً ومؤسساتياً.

Copyright © 2024