بلاغات النيابة العامة بين سرية البحث ومقتضيات الحياد

بقلم: ذ عز الدين فدني-

أثار إصدار بلاغ بشأن واقعة الشاب الذي سقط أو أُسقط داخل مقر الفرقة الوطنية نقاشًا قانونيًا حول مدى أحقية الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف في إخبار الرأي العام بتفاصيل القضية في تلك المرحلة. وقد استند المدافعون عن مشروعية البلاغ إلى المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية، باعتبارها تُجيز للنيابة العامة، عند الاقتضاء، إطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها. غير أن القراءة المتأنية لهذا المقتضى القانوني تكشف أن الأمر أدق من مجرد استدعاء النص في عموميته.

تنص المادة 15 في فقرتها الأولى على مبدأ أساسي يتمثل في سرية البحث والتحقيق، وهو مبدأ يروم حماية قرينة البراءة، وصون فعالية الإجراءات، وضمان حقوق الأطراف. ثم تأتي الفقرة الثانية لتقرر، بصيغة الجواز لا الوجوب، أنه يمكن للنيابة العامة، عند الاقتضاء، إخبار الرأي العام بالقضية وبالإجراءات المتخذة فيها، شريطة عدم تقييم الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص المشتبه فيهم أو المتهمين.

غير أن ممارسة هذه الصلاحية الاستثنائية تثير تساؤلين جوهريين:

أولهما يتعلق بمدى انطلاق مسطرة البحث بمفهومها القانوني الدقيق، وثانيهما يرتبط بضمانات الحياد عندما يكون موضوع البحث عناصر من الضابطة القضائية الخاضعين لإشراف النيابة العامة ذاتها.

فمن حيث المبدأ، لا خلاف في أن إصدار أمر بإجراء تشريح طبي يعد إجراءً قضائيًا يدخل في إطار البحث التمهيدي. غير أن مجرد اتخاذ إجراء تقني لا يعني بالضرورة أن معالم البحث قد اتضحت أو أن أطرافه تحددوا، بحيث يصبح من الملائم الخروج ببلاغ إلى الرأي العام. فالإخبار، وإن كان جائزًا، يظل مرتبطًا بوجود مسطرة قائمة المعالم، لا مجرد واقعة في طور التجميع الأولي للمعطيات.

أما من زاوية الحياد، فإن المسألة تكتسي حساسية مضاعفة متى تعلق الأمر بعناصر من الضابطة القضائية، وهم خاضعون لإشراف النيابة العامة بمقتضى القانون. صحيح أن هذا الإشراف لا ينال من استقلال البحث في حد ذاته، غير أن مقتضيات الثقة في العدالة تقتضي تحصين الإجراءات بكل مظاهر التجرد والحيطة. فالقضاء لا يُطالب فقط بأن يكون محايدًا، بل أن يظهر كذلك بمظهر الحياد.

إن قواعد المسطرة الجنائية، بحكم طبيعتها، تُفسر تفسيرًا دقيقًا، لا سيما عندما تمس الضمانات الأساسية. ومن ثم، فإن اللجوء إلى الاستثناء الوارد في الفقرة الثانية من المادة 15 ينبغي أن يتم في أضيق الحدود التي تفرضها الضرورة، وبما لا يُفهم منه استباق لنتائج البحث أو توجيه للرأي العام في اتجاه معين.

وعليه، فإن النقاش لا يتعلق بوجود سلطة قانونية مجردة لدى النيابة العامة لإصدار بلاغ، بقدر ما يتعلق بملاءمة توقيته وحدود مضمونه في ضوء مبدأ السرية ومتطلبات الحياد. ففي القضايا ذات الحساسية الخاصة، حيث يكون البحث موجهاً إلى جهات خاضعة للإشراف القضائي نفسه، قد يكون التريث ضمانة إضافية لتعزيز الثقة في العدالة، وصون صورة المؤسسة القضائية من أي تأويل.

إن العدالة، في نهاية المطاف، ليست مجرد تطبيق حرفي للنصوص، بل ممارسة متوازنة لصلاحياتها، في إطار من الحكمة والتبصر، بما يكفل احترام القانون ويعزز ثقة المجتمع في مؤسساته.

Copyright © 2024