فاتح ماي في ظل “حكومة الباطرونا”… من يمثل من؟

بقلم: عادل حسني

يحلّ فاتح ماي هذه السنة محمّلًا بأسئلة قديمة متجددة: ما موقع الشغيلة في السياسات العمومية؟ ومن يملك فعليًا سلطة القرار الاقتصادي؟ في الخطاب المتداول، يُشار أحيانًا إلى الحكومة بكونها “حكومة الباطرونا”، في إشارة إلى تغليب منطق المقاولة والربحية على حساب العدالة الاجتماعية. لكن هل هذا توصيف دقيق، أم اختزال يُغفل تعقيد المرحلة؟

لا شك أن المغرب، كغيره من الدول، يواجه ضغوطًا اقتصادية قوية: تضخم، تحولات في سلاسل التوريد، وتحديات خلق فرص الشغل. في هذا السياق، تبدو السياسات الداعمة للاستثمار والمقاولة خيارًا مفهومًا لتحريك عجلة الاقتصاد. غير أن الإشكال يبدأ حين يُترجم هذا التوجه إلى اختلال في التوازن بين رأس المال والعمل، فيغدو الأجير الحلقة الأضعف، وتتراجع قدرة النقابات على التفاوض، ويُختزل الحوار الاجتماعي في جولات شكلية.

فاتح ماي ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل مرآة لقياس هذا التوازن. فإذا كانت الأجور لا تواكب كلفة المعيشة، والحماية الاجتماعية لا تزال غير مكتملة الأثر، والهشاشة تطال فئات واسعة من العمال غير المهيكلين، فإن السؤال يصبح ملحًّا: كيف نحقق نموًا اقتصاديًا لا يترك أحدًا خلفه؟

في المقابل، لا يمكن إنكار أن المقاولة الوطنية هي محرك أساسي للتشغيل. دعمها وتيسير ولوجها للتمويل وتخفيف الأعباء عنها قد يخلق فرصًا جديدة. لكن هذا الدعم يجب أن يكون مشروطًا ضمنيًا أو صراحة بمعايير العمل اللائق: احترام الحد الأدنى للأجور، تحسين ظروف العمل، والاستثمار في التكوين. فالتنافسية الحقيقية لا تُبنى على خفض كلفة اليد العاملة بقدر ما تُبنى على رفع إنتاجيتها وجودتها.

هنا يبرز دور الدولة كحَكَم لا كطرف. المطلوب ليس الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بل بناء عقد اجتماعي متوازن: تحفيز الاستثمار من جهة، وضمان حقوق الشغيلة من جهة أخرى. ويتحقق ذلك عبر حوار اجتماعي مؤسساتي، دوري وملزم، تُشارك فيه الحكومة والنقابات والباطرونا على قدم المساواة، مع مؤشرات قياس واضحة ونتائج قابلة للتتبع.

كما أن توسيع التغطية الاجتماعية، وتسريع إدماج القطاع غير المهيكل، وتحديث منظومة التكوين المهني، كلها أوراش لا تحتمل التأجيل. فالعامل الذي يشعر بالأمان والاستقرار هو الأكثر قدرة على الإبداع والإنتاج، وهو في النهاية ما تحتاجه المقاولة نفسها.

في هذا فاتح ماي، لعل الرسالة الأهم هي أن الاقتصاد ليس أرقامًا فقط، بل بشرًا أيضًا. وأن أي سياسة عمومية لا تضع الإنسان في قلبها عاملاً كان أو مقاولاً ستبقى ناقصة. بين “حكومة الباطرونا” و”حكومة الشغيلة”، قد يكون الطريق الأنسب هو حكومة التوازن: حيث الربح مشروع، والكرامة غير قابلة للمساومة.

Copyright © 2024