
نجيب مصبـاح-
بمناسبة تخليد فاتح ماي 2026، تحولت الكلمة التي ألقاها السياسي والحقوقي والمستشار الجماعي محمد سقراط خلال التجمهر الخطابي صباح يوم أمس الجمعة بمدينة خريبكة، للنقابة الشعبية للمأجورين بجهة بني ملال خنيفرة، إلى منصة قوية لتشخيص الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ورفع سقف المطالب العمالية، في سياق يتسم بتزايد الضغوط المعيشية على الطبقة العاملة.
وقد قدّم محمد سقراط، تشخيصا حادًا للأوضاع الاجتماعية، معتبرا أن الاحتفال بعيد الشغل هذه السنة يأتي بطعم «المرارة والخيبة»، في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مقابل ضعف الأجور واستمرار الهشاشة. وأبرز أن «العامل المغربي يواجه ضغوطًا متزايدة، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، ما يزيد من تعقيد أوضاعه اليومية».
وفي سياق انتقاده للسياسات العمومية، اعتبر سقراط أنها تنحاز لفائدة الفئات الميسورة على حساب العمال الذين «يصنعون الثروة»، مشيرا إلى أن الوعود المرتبطة بتحسين الأوضاع المعيشية والكرامة لم تتحقق، بل حلّ محلها ارتفاع الفواتير وتآكل الأجور، ما عمّق الإحساس بالإحباط داخل الأوساط العمالية.
كما أثار تساؤلات حول جدوى الحوار الاجتماعي، في ظل ما وصفه باتخاذ قرارات مسبقة دون إشراك فعلي للنقابات، مبرزا أن الاتفاقات الموقعة لا يتم تفعيلها بالشكل المطلوب، وأن الزيادات المعلنة تظل محدودة وغير قادرة على مواكبة موجة الغلاء.
وسلط ذات المتحدث، الضوء على معاناة فئات واسعة تعيش أوضاعا هشة، من ضمنها عمال القطاع الخاص وعمال المناولة، إلى جانب المتقاعدين والتجار الصغار والحرفيين، مشيرا إلى غياب حماية اجتماعية شاملة تضمن الكرامة والاستقرار، واستمرار مظاهر الاستغلال في عدد من القطاعات.

وفي الشق التشريعي، عبّر سقراط عن رفضه لمضامين مشروع قانون الإضراب، معتبرًا أنه يقيّد الحق النقابي ويحدّ من حرية الاحتجاج، في خطوة قد تشكل، حسب تعبيره، تراجعًا عن مكتسبات تاريخية للحركة العمالية.
وعلى مستوى المطالب، شدد المتدخل على ضرورة إقرار زيادات حقيقية وفورية في الأجور، وربطها بارتفاع الأسعار، إلى جانب تعميم الحماية الاجتماعية بشكل عادل، وإيجاد حلول عاجلة لملفات الصحة والتعليم، وتحسين أوضاع عمال المناولة والمتقاعدين، مع ضمان احترام الحريات النقابية.
واختتم سقراط كلمته برسالة تعبئة واضحة، أكد فيها أن قوة الشغيلة تكمن في وحدتها وتنظيمها، وأن مواجهة ما وصفه بـ«الظلم المنظم» تقتضي نضالًا أكثر تنظيمًا، مجددًا التأكيد على أن الكرامة العمالية ستظل مطلبًا مستمرًا إلى حين تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة.
وفيما يلي نص الكلمة:
أيها الحضور الكريم،
أيها العمال والعاملات،
يا من تكتبون بعرقكم تاريخ هذا الوطن بصمت…
نجتمع اليوم في فاتح ماي، لا لنوزع التهاني الرسمية، ولا لنردد خطابات باردة فقدت معناها، بل لنقول الحقيقة كما هي: إن العامل حين يجوع، والوطن حين يُرهق أبناءه، يصبح الصمت خيانة.
نحتفل اليوم، لكن بأي طعم؟
بطعم المرارة…
بطعم الخيبة…
بطعم الهزيمة التي أرادوا أن يقدموها لنا في ثوب إنجازات وهمية.
في إقليم خريبكة، وفي كل المدن المغربية، يخرج العمال اليوم وهم يحملون جراحهم فوق أكتافهم، بعدما وجدوا أنفسهم في مواجهة حكومة اختارت أن تنحاز إلى من يملكون الثروة، وتركت من يصنعون الثروة يواجهون الغلاء، والهشاشة، والانتظار الطويل.
أيها الرفاق،
حين ترتفع أسعار المحروقات… من يدفع الثمن؟
ليس أصحاب الامتيازات.
حين تشتعل أسعار المواد الأساسية… من ينحني ظهره؟
ليس أصحاب الاحتكار.
إنه العامل البسيط…
إنها المرأة العاملة…
إنه المتقاعد الذي أفنى عمره ثم وجد نفسه يصارع الحياة بجيب فارغ.
لقد وعدونا بالكرامة… فوجدنا الفواتير.
وعدونا بتحسين القدرة الشرائية… فوجدنا الأسواق تلتهم أجورنا قبل نهاية الشهر.
وعدونا بالحماية الاجتماعية… بينما كثير من العمال لا يزالون خارج أي حماية حقيقية.
إنهم يتحدثون عن الحوار الاجتماعي، ونحن نسأل:
أي حوار هذا الذي تُتخذ فيه القرارات قبل أن يجلس العمال إلى الطاولة؟
أي حوار هذا الذي تُوقع فيه الاتفاقات ثم تُركن في رفوف النسيان؟
لقد منحوا زيادات هزيلة لا تكفي حتى لمواجهة ارتفاع الأسعار، وتركوا عمال القطاع الخاص يواجهون مصيرهم وحدهم، وتركوا عمال المناولة في مواجهة الاستغلال، وكأنهم مواطنون من درجة أقل.
أما قانون الإضراب، فقد أرادوه قيدًا جديدًا في يد العامل، وسياجًا حول صوت النقابات، ورسالة تقول: “اصمتوا حتى وأنتم تتألمون.”
لكنهم نسوا شيئًا مهمًا…
العامل الذي بنى المناجم، والمصانع، والحقول، والطرقات…
لا يمكن أن يُهزم بسهولة.
نحن أبناء الكرامة، ولسنا عبيد الامتيازات.
نحن أبناء هذا الوطن، ولسنا أرقامًا في تقارير حكومية مزينة بالكلمات.
نطالب اليوم:
بزيادة حقيقية وفورية في الأجور.
بربط الأجور بارتفاع الأسعار.
بحماية اجتماعية عادلة وشاملة.
بحلول عاجلة لملفات الصحة والتعليم وعمال المناولة والمتقاعدين والتجار الصغار والحرفيين.
باحترام الحق النقابي والحريات العمالية.
ونقول للحكومة:
التنمية ليست مؤتمرات صحفية.
التنمية ليست أرقامًا تُلقى على الشاشات.
التنمية الحقيقية هي أن يعود العامل إلى منزله دون خوف من الغد.
أن تستطيع الأسرة شراء خبزها بكرامة.
أن يشعر المواطن أن وطنه يحتضنه لا يخذله.
أيها الرفاق…
إذا كان الظلم منظمًا،
فليكن نضالنا أكثر تنظيمًا.
إذا كانت مصالحهم موحدة،
فلنجعل صوت العمال أكثر وحدة.
وإذا كانوا يملكون السلطة والمال…
فنحن نملك شيئًا أخطر:
إرادة لا تُشترى،
وصوتًا لا يموت،
وكرامة لا تركع.
كما قال الثوار عبر التاريخ:
“يمكنهم أن يكسروا الزهور… لكنهم لن يمنعوا الربيع.”
وفاتح ماي ليس ذكرى عابرة…
إنه وعد متجدد بأن العامل سيظل واقفًا، وأن الكرامة ستنتصر مهما طال الانتظار.
عاشت الطبقة العاملة،
عاش نضال الشرفاء،
والمجد لكل يدٍ تصنع الحياة وترفض الانكسار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Copyright © 2024