رسالة مفتوحة إلى الأساتذة الجامعيين المطالبين بولوج مهنة المحاماة وإلى السيد وزير العدل

ذ/ عزالدين فدني-

النيابة العامة محاماة عن المجتمع: فليتقدم الوزير بمشروع لولوجها، فالمجتمع في حاجة إلى من يدافع عنه بالعلم ومن الفراقشية وناهبي المال العام وغيرها من الجرائم الكبرى لا إلى مزاحمة العاطلين في مهن تعاني الاختناق.

بكل وضوح، لم يعد مقبولًا أن يُطرح مطلب ولوج بعض الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة وكأنه حق بديهي أو امتداد طبيعي لوضعهم المهني، في وقت يعيش فيه عدد من المحامين والمحاميات، ومعهم آلاف الشباب خريجي كليات الحقوق، وضعًا صعبًا يتسم بالبطالة، وطول الانتظار، وغياب الاستقرار المهني والدخل القار.

إن الأستاذ الجامعي يوجد، في الأصل، في موقع استقرار مهني ومادي نسبي، ويضطلع برسالة علمية وتكوينية نبيلة داخل المجتمع. غير أن التوجه نحو مهن قانونية أخرى تعاني أصلًا من الاكتظاظ والضغط، يطرح إشكالًا جديًا حول عدالة توزيع الفرص، وحول من له الأولوية في الولوج إلى هذه المسارات المهنية المحدودة.

فأي رسالة يمكن أن تُفهم من المجتمع حين تتحول الفرص القليلة إلى مجال تنافس بين فئات مستقرة مهنيًا وأخرى ما تزال تبحث عن أول فرصة للاندماج؟ وأي مفهوم للعدالة يمكن أن يبرر توسيع دوائر الاستفادة لفئات لا تعيش أصلًا ضغط البطالة؟

إذا كان الدافع هو خدمة المجتمع والدفاع عن قضاياه، فإن ذلك لا يبرر مزاحمة الفئات الهشة على فرص محدودة. فخدمة المجتمع لا تتحقق بتعدد المواقع المهنية، بل بتعميق الأثر داخل كل مجال على حدة، وبالالتزام بوظيفة كل فئة في إطارها الطبيعي بما يحقق التوازن والإنصاف.

ومن هذا المنطلق، فإن النيابة العامة، باعتبارها ممثلة للمجتمع وحامية للمصلحة العامة، تشكل نموذجًا مؤسساتيًا واضحًا للدفاع عن المجتمع من داخل منظومته القانونية، في مواجهة مختلف صور الجريمة، بما فيها الجرائم الاقتصادية الكبرى وناهبي المال العام وغيرها. لذلك، فإن المنطق السليم يقتضي التفكير في توسيع مسارات الولوج إليها بشكل منظم وشفاف، بدل مزيد من الضغط على مهنة المحاماة التي تعاني أصلًا من اختناق مهني واضح.

ولهذا، فإننا نرى أنه من الأجدر أن يتقدم وزير العدل بمشروع متكامل يفتح باب الولوج إلى النيابة العامة وفق معايير دقيقة وموضوعية، باعتبارها فضاءً لخدمة المجتمع بالعلم والقانون، وبما يضمن توجيه الكفاءات نحو مواقعها الطبيعية، بدل تكريس واقع يضاعف من حدة المنافسة غير المتكافئة داخل مهن محدودة الاستيعاب.

إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في من له الحق في ممارسة هذه المهنة أو تلك، بل في كيفية تحقيق التوازن بين طموحات مختلف الفئات، وضمان عدالة حقيقية في توزيع الفرص، بما يحفظ كرامة الجميع ويخدم المصلحة العامة.

والسلام.

 

Copyright © 2024