«التخلف ليس فقراً فقط».. كيف فكك مصطفى حجازي سيكولوجية الإنسان المقهور..؟

نجيب مصباح-

يُعد كتاب التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور للمفكر وعالم النفس اللبناني مصطفى حجازي واحداً من أبرز الكتب العربية التي قاربت إشكالية التخلف من زاوية نفسية واجتماعية عميقة، متجاوزاً التفسيرات التقليدية التي اختزلت الأزمة في بعدها الاقتصادي فقط. فالكتاب، الصادر عن المركز الثقافي العربي، يطرح سؤالاً مركزياً: لماذا فشلت مشاريع التنمية والتحديث في العالم العربي رغم كثرة الخطط والإصلاحات..؟

يرى حجازي أن الخلل الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف الاقتصاد أو قلة الموارد، بل في البنية النفسية للإنسان المقهور، الذي يعيش تحت وطأة القمع والتبعية والخوف، إلى درجة يفقد معها قدرته على المبادرة والتغيير. ومن هنا يؤكد أن التخلف ليس مجرد حالة مادية، بل هو «بنية نفسية» تُنتج إنساناً مهزوماً من الداخل، عاجزاً عن التحرر حتى عندما تتوفر شروط التقدم.

ويفكك الكتاب عدداً من العقد النفسية التي تتشكل داخل المجتمعات المتخلفة، وعلى رأسها «عقدة النقص»، حيث يشعر الفرد بالعجز أمام السلطة والطبيعة والواقع الاجتماعي، ما يدفعه إلى الانطواء أو البحث عن تعويضات وهمية. كما يتحدث المؤلف عن حالة «اضطراب الديمومة»، إذ يعيش الإنسان المقهور في خوف دائم من المستقبل، غير قادر على التخطيط أو بناء مشروع حياتي مستقر.

وفي تحليله للعقلية المتخلفة، يوضح حجازي أن القهر الطويل يُنتج تفكيراً مضطرباً يميل إلى التبرير والانفعال والاعتماد على الحلول السحرية بدل التفكير العقلاني. كما يربط هذه الذهنية بسيطرة الخوف والاستلاب، حيث تتحول السلطة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية، إلى قوة مطلقة يصعب مساءلتها.

ويتوقف الكتاب مطولاً عند الأساليب الدفاعية التي يعتمدها الإنسان المقهور للتكيف مع واقعه، مثل الانكفاء على الماضي وتمجيد التاريخ هروباً من أزمات الحاضر، أو الذوبان داخل الجماعة والعشيرة والأسرة بحثاً عن الحماية النفسية. ويعتبر حجازي أن أخطر هذه الآليات هي “التماهي بالمتسلط”، حين يتحول المقهور نفسه إلى نسخة مصغرة من مضطهده، فيعيد إنتاج القهر على من هم أضعف منه.

كما يخصص المؤلف فصلاً مهماً لوضعية المرأة داخل المجتمع المتخلف، معتبراً أنها الضحية الأكبر لمنظومة القهر، واصفاً إياها بـ «مقهورة المقهور». ويربط حجازي بين تحرر المرأة وإمكانية بناء مجتمع سليم نفسياً واجتماعياً، لأن استمرار تهميشها ينعكس بشكل مباشر على تنشئة الأجيال وإعادة إنتاج الخوف والخضوع.

ورغم مرور سنوات طويلة على صدور التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ما تزال أفكاره حاضرة بقوة في النقاشات الفكرية العربية، باعتباره من الكتب التي حاولت تفسير جذور الأزمة العربية من الداخل، عبر قراءة نفسية واجتماعية جريئة للإنسان والمجتمع والسلطة.

 

Copyright © 2024