
محمد طيب-
في ليلة نيوجيرسي الأمريكية، وأمام أكثر من ثمانين ألف متفرج ملأوا ملعب ميتلايف، كتب المنتخب المغربي فصلاً جديداً من ملحمة لا تتوقف. لم تكن النتيجة هدفاً لهدف كافية لإخماد الجمر الذي أشعله الأسود في الشوط الأول، ولا لمحو صورة ألسون بيكر وهو يقفز يميناً وشمالاً في الدقائق الأخيرة.انتهت المباراة والكرة لم تستقر في المرمى البرازيلي مرة ثانية، لكن شيئاً ما استقر في أذهان المشاهدين، هذا المنتخب لم يأتِ ليشارك، بل جاء ليُغير قواعد اللعبة.
انطلق المنتخب المغربي في هذه المباراة بشكل بارع، ضغط عال، كرة مباشرة، تحركات سريعة واستغلال جيد للمساحات. في الدقيقة السادسة كان كل من الخنوس وابراهيم دياز والعيناوي يُطلقون قذائفهم الأولى على مرمى ألسون بكر، والبرازيل لم تستوعب بعد ما يحدث. في الدقيقة الحادية والعشرين، وبتمريرة ذكية من ابراهيم دياز، تسلل إسماعيل الصيباري إلى قلب الدفاع البرازيلي ورفع الكرة فوق الحارس بلمسة ساحرة أبهرت الجميع. في تلك اللحظة، كان المغرب يسجل هدفه الأول في بطولة كأس العالم 2026، والأول له في مرمى البرازيل عبر تاريخ المونديال، مخترقا أحد أعتى دفاعات العالم. في تلك اللحظة أيضاً، كان الصيباري يُثبت أنه الرجل المناسب في المكان المناسب حين غاب الزلزولي.

لكن البرازيل لن تقف مكتوفة الأيدي. ففي الدقيقة الثانية والثلاثين، وبعد تمريرة عميقة فككت الجانب المغربي، تلقّى فينيسيوس الكرة على حافة مربع العمليات، وتجاوز مدافعَين بمراوغة قاتلة وأرسل الكرة في زاوية ضيقة صعبة المنال. هدف عالمي من لاعب عالمي. ومنذ تلك اللحظة دخلت المباراة في منطق آخر، البرازيل تُعيد التنظيم وتطلب الكثير من الحيازة، والمغرب يتراجع بذكاء ويُحكم أقفاله دون أن يتخلى عن فكرة المباغتة في الارتداد.
في الشوط الثاني، أجرى أنشيلوتي تعديلاته إذ أخرج كاسيميرو وروجر إيبانيز وأدخل فابينيو ودانيلو بحثاً عن إيقاع أسرع، فأمسكت البرازيل بالكرة لفترات طويلة وخلقت فرصاً متعددة، أبرزها في الدقيقة الثانية والخمسين حين اخترق رافينيا المحور الأيمن وأرسل كرة عرضية خطيرة أبعدها الدفاع المغربي في آخر لحظة. غير أن الأسود ظلوا حاضرين حتى تحت الضغط البرازيلي، ففي الدقيقة الحادية والسبعين لاحق الصيباري كرة معلقة داخل المنطقة الخطرة لكن ألسون كان في المكان المناسب. والأجمل جاء في دقيقتَي الوقت المُحتسب بدل الضائع، إذ خلق الأسود فرصتَين متتاليتَين في لحظة واحدة أجبرتا الحارس البرازيلي على أداء تصديَّين استثنائيَّين متتابعَين وأنقذ فريقه من الخسارة، وحرم المغرب من فوز كان سيكون مدوياً.
كان أسود الأطلس اليوم أصحاب المبادرة، اثنتي عشرة تسديدة على المرمى في الشوط الأول وحده، وهو رقم تاريخي لم يكن متوقعا أمام البرازيل، بل هو رقم لم تكن البرازيل قد تلقّته في أي مباراة عالمية طوال ستة مباريات متتالية. مما يعني أن هدف الصيباري لم يكن صدفة، بل هو نتاج شغل جماعي منهجي.
Copyright © 2024