
بقلم: ذ عز الدين فدني-
تُعد مسطرة الاختراق، التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية المعدل والمنصوص عليها في المواد 82/1 إلى 82/6 من، من أخطر آليات البحث الجنائي المستحدثة والمخولة للضابطة القضائية، لما تنطوي عليه من توسع كبير في سلطات الضبط تحت ذريعة مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب. ورغم تقديمها كإجراء تقني استثنائي، فإن تحليلها القانوني يكشف أنها تعكس تحولاً مقلقاً نحو منطق أمني وقائي يمس جوهر دولة القانون.
أول مظاهر هذا الانزلاق يتمثل في تقويض مبدأ الشرعية الإجرائية، حيث صيغت المسطرة بعبارات فضفاضة تسمح بالمساس بالحياة الخاصة واستعمال هويات مستعارة وارتكاب أفعال مجرّمة، دون ضوابط دقيقة لمبدأي الضرورة والتناسب، وبمجرد إذن من النيابة العامة.
كما يعتمد النص على معيار “مجرد الاشتباه” لتفعيل إجراء بالغ الخطورة، وهو معيار غامض لا يقوم على دلائل جدية، مما يشكل مساساً صريحاً بقرينة البراءة ويحوّل المواطن إلى موضوع دائم للاشتباه والمراقبة.
ويُضاف إلى ذلك غموض التحديد الزمني للاختراق، حيث ورغم النص على مدة محددة، يسمح المشرع بتمديدات متتالية وإشعارات مرنة، بما يُفرغ مبدأ التحديد من مضمونه ويمس بالأمن القانوني.
من جهة ثانية، يمنح القانون حصانة شبه مطلقة لمنفذ الاختراق، من خلال إباحة أفعال مجرّمة وتجريم كشف هويته، وهو ما يطرح إشكالية الإفلات من المساءلة، ويقيد بشكل خطير حقوق الدفاع، خاصة في ما يتعلق بالطعن في مشروعية الدليل أو إثارة مسألة التحريض الإجرامي.
وتُظهر المقارنة مع التشريعات المقارنة (فرنسا، ألمانيا، كندا، بريطانيا، الولايات المتحدة) أن الاختراق في الدول الديمقراطية يخضع لرقابة قضائية مستقلة، ويُقصر على الجرائم الخطيرة، ويمنع التحريض، ويُرتب جزاء بطلان الدليل عند المساس غير المتناسب بالحقوق. في المقابل، يكتفي النموذج المغربي برقابة النيابة العامة، دون آليات فعالة للرقابة اللاحقة أو جزاءات واضحة.
وفي ضوء ذلك، تعكس مسطرة الاختراق تحولاً في السياسة الجنائية المغربية نحو منطق الشك والوقاية الأمنية، حيث يُضحّى بالحقوق والحريات باسم النجاعة، مما يقوض الثقة في العدالة ويُضعف التعاقد الدستوري بين الدولة والمجتمع.
خلاصة القول:
إن الإشكال لا يكمن في مبدأ الاختراق في حد ذاته، بل في الصيغة التي اعتمدها المشرّع المغربي، والتي جعلت من الإجراء الاستثنائي قاعدة، ومن الاشتباه وضعاً قانونياً دائماً، ومن الأمن ذريعة لتآكل الضمانات الدستورية. وهو ما يستدعي مراجعة جذرية للمسطرة، تضعها في إطار رقابة قضائية مستقلة وتوازن حقيقي بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق والحريات.
Copyright © 2024