تحرير السوق أم تحرير الأرباح؟ حكاية المغاربة مع مفرقشي المحروقات

محمد الطالبي

وجد المواطن المغربي نفسه مرة أخرى عاجزاً أمام تداعيات الأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط، رغم أن الحرب تبدو بعيدة جغرافياً بآلاف الكيلومترات. لكن المسافة لم تمنع نيرانها من الوصول إلى جيوب المغاربة، إذ لم تعد المحروقات مجرد سلعة، بل شريان اقتصادي يؤثر على النقل والإنتاج والفلاحة والصناعة والخدمات، وصولاً إلى أسعار المواد الأساسية.

بينما للحروب كلفة إنسانية لا جدال فيها، فإن المغاربة اليوم يواجهون وجهاً آخر للحرب: حرب اقتصادية صامتة، تضرب القدرة الشرائية وتعيد تشكيل ميزانيات الأسر.

الزيادات الأخيرة في أسعار البنزين والغازوال، التي فاقت أحياناً درهمين للتر، لم تنتظر تأثيرات السوق الدولية، مما يعطي الانطباع بأن السوق الوطنية تعيش حالة استنفار دائم كلما تحركت مؤشرات النفط العالمية. وكما هو معروف، فإن كل درهم إضافي في المحروقات يتحول إلى زيادة في النقل وأسعار المواد والخدمات، ما يزيد الضغط على القدرة الشرائية للمواطن.

المفارقة أن هذه الزيادات تتزامن مع سنة فلاحية واعدة وأمطار جيدة كان يفترض أن تمنح الفلاحين ومربي الماشية نوعاً من الطمأنينة. لكن ارتفاع كلفة الطاقة يبتلع كل أثر إيجابي محتمل.

الأخطر هو تركّز سوق المحروقات في أيدي شركات قليلة، ما يحد من المنافسة ويتيح لها هامشاً واسعاً للتحكم في الأسعار. المواطن يرى ارتفاع الأسعار بسرعة عند ارتفاع النفط، بينما تتباطأ الانخفاضات عند تراجع الأسعار العالمية، ما يثير تساؤلات حول شفافية السوق وحيادها.

لقد قيل عند تحرير السوق إن المنافسة ستخفض الأسعار وتحسن الخدمات، لكن الواقع أثبت أن السوق أصبحت محررة من الضوابط أكثر من كونها محررة للمنافسة. الاحتياطات الاستراتيجية، الخزانات، وآليات المراقبة التي كان يفترض أن تحمي البلاد من الصدمات الخارجية، غائبة أو غير فعالة.

اليوم، مع كل أزمة دولية جديدة، يعيد السوق الوطنية السيناريو نفسه: ارتفاع سريع، تبريرات جاهزة، وصمت طويل حول هوامش الربح الحقيقية. الفارقشية ومن يدور في فلكهم يركزون على الربح، بينما المواطن يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها وسوق لا يستطيع التأثير في قواعدها.

السؤال المطروح ليس اقتصادياً فقط، بل سياسي ومجتمعي أيضاً: من يحمي السوق الوطنية ومن يحمي المواطن؟ استمرار الوضع الحالي يهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي، إذ تتحول موجة الزيادات في المحروقات إلى تضخم يضرب مختلف القطاعات.

الديمقراطية لا تقوم على الشكوى وحدها، بل على المحاسبة. المواطن يمتلك سلاحاً سياسياً قوياً عبر صناديق الاقتراع. هل سيتحرك لتأديب الفارقشية انتخابياً، أم سيستمرون في تراكم الأرباح بينما يتراكم على المواطنين المزيد من المعاناة؟ هذا السؤال سيظل معلقاً في الفضاء العام.

Copyright © 2024