العزوف الانتخابي في المغرب: حين يتحول الصمت إلى موقف سياسي

 

بقلم: ايجة بومزيل*

لم يعد العزوف عن التصويت في المغرب مجرد رقم عابر في تقارير رسمية، بل تحوّل إلى رسالة سياسية صامتة، لكنها عميقة الدلالة. فالمواطن الذي يختار عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع لا ينسحب فقط من العملية الانتخابية، بل يعبّر – بشكل غير مباشر – عن موقف نقدي من جدوى السياسة كما تُمارَس اليوم. إنه شكل من أشكال التعبير غير اللفظي، حيث يتحول الامتناع إلى خطاب، والصمت إلى موقف.

هذا التحول في معنى العزوف يفرض إعادة النظر في الطريقة التي يُقرأ بها. فبدل اختزاله في اللامبالاة أو ضعف الوعي السياسي، ينبغي فهمه كجزء من دينامية أوسع تعكس علاقة ملتبسة بين المواطن والسياسة، بين التوقعات المرتفعة والنتائج المحدودة، وبين الوعود المتكررة والواقع الذي لا يتغير بالوتيرة نفسها.

صحيح أن الانتخابات تظل، من الناحية النظرية، حجر الزاوية في أي بناء ديمقراطي، غير أن الواقع يكشف مفارقة لافتة: مؤسسات قائمة واستحقاقات منتظمة، يقابلها فتور ملحوظ في المشاركة، خاصة لدى فئة الشباب. ففي انتخابات 2021، بلغت نسبة المشاركة نحو 50%، وهي نسبة تبدو مستقرة ظاهرياً، لكنها تخفي في عمقها فجوة ثقة لم تُردم بعد. هذه الفجوة لا تتجلى فقط في نسب المشاركة، بل أيضاً في طبيعة النقاش العمومي، وفي درجة التفاعل مع القضايا السياسية.

الأكثر دلالة أن هذا العزوف لا يعكس رفضاً للديمقراطية في حد ذاتها، بل يعكس تمييزاً واضحاً بين الإيمان بالمبدأ والشك في الممارسة. فالمغاربة، في عمومهم، لا يرفضون فكرة الانتخابات، بل يتساءلون عن جدواها الفعلية. إنهم يقبلون بالآلية، لكنهم يشككون في نتائجها، وهو ما يخلق نوعاً من التوتر بين الشرعية النظرية والمصداقية العملية.

في قلب هذه المفارقة، يبرز الشباب كعنصر حاسم وغائب في الآن نفسه. فهذه الفئة، التي تمثل نسبة مهمة من المجتمع، تُعد الأكثر عزوفاً عن المشاركة السياسية. ولا يمكن تفسير ذلك باللامبالاة وحدها، بل يرتبط بعوامل أعمق، منها ضعف الثقة في الأحزاب، وتكرار النخب، وغياب خطاب سياسي قادر على ملامسة أولوياتهم الحقيقية، وعلى رأسها الشغل والعدالة الاجتماعية والكرامة. كما أن تجارب سابقة لم تحقق تطلعاتهم ساهمت في ترسيخ نوع من الحذر، إن لم نقل الشك، تجاه الفعل السياسي برمته.

هذا الوضع يجعل من العزوف شكلاً من أشكال “الانسحاب الواعي”، أو حتى “الاحتجاج الصامت”. فالشباب لا ينسحبون لأنهم غير معنيين، بل لأنهم لا يجدون أنفسهم ممثلين. ومن هنا، يتحول الامتناع عن التصويت إلى رسالة مفادها أن العرض السياسي القائم لا يستجيب لانتظاراتهم.

من زاوية أخرى، يطرح العزوف سؤال الجدوى بحدة. فحين لا يرى المواطن أثراً ملموساً لصوته في السياسات العمومية، يصبح الامتناع عن التصويت خياراً مفهوماً، بل وأحياناً عقلانياً. إذ إن المشاركة السياسية، في جوهرها، تقوم على فكرة التأثير: أن يكون للصوت وزن، وللاختيار نتائج. وعندما تتآكل هذه القناعة، يفقد الفعل الانتخابي معناه تدريجياً.

المشكلة، إذن، ليست في الانتخابات كآلية، بل في قدرتها على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس. فالفجوة بين الوعود والنتائج، وبين الخطاب والممارسة، هي ما يغذي هذا الشعور المتزايد بعدم الجدوى. كما أن بطء وتيرة التغيير، وتعقيد التحديات الاجتماعية والاقتصادية، يساهمان في تعميق هذا الإحساس.

في المقابل، أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي شكلاً جديداً من التعبير السياسي، خاصة لدى الشباب. فقد أصبح الفضاء الرقمي منصة للنقاش والاحتجاج والتأثير، خارج الأطر التقليدية. هنا، يمكن للمواطن أن يعبّر بحرية، وأن يشارك في النقاش العمومي دون قيود مؤسساتية، وأن يؤثر – ولو بشكل رمزي – في تشكيل الرأي العام.

غير أن هذه الدينامية تطرح مفارقة أخرى: ارتفاع منسوب التعبير السياسي على الإنترنت، مقابل ضعف المشاركة في الفعل الانتخابي. أي أن النقاش حاضر، بل أحياناً محتدم، لكن الترجمة المؤسساتية له تظل محدودة. وهذا يطرح سؤالاً حول طبيعة المشاركة السياسية في العصر الرقمي: هل نحن أمام تحول في أشكال المشاركة، أم أمام انفصال بين التعبير والفعل؟

أمام هذا الواقع، يبدو أن العزوف الانتخابي في المغرب ليس مجرد أزمة مواطن، بل يعكس أزمة أعمق في العرض السياسي، وربما أيضاً في بنية الوساطة بين الدولة والمجتمع. فعندما يشعر الناخب بأن البرامج متشابهة، والوجوه تتكرر، والرهانات غير واضحة، والنتائج لا ترقى إلى التطلعات، يصبح الامتناع عن التصويت تعبيراً عن فقدان الثقة أكثر منه تخلياً عن المسؤولية.

كما أن ضعف التأطير الحزبي، وتراجع دور الأحزاب كقنوات للتعبئة والتأطير، يساهمان في تعميق هذه الأزمة. فالأحزاب، التي يُفترض أن تكون جسراً بين المواطن وصانع القرار، تجد نفسها في موقع دفاعي، عاجزة أحياناً عن استعادة ثقة فئات واسعة من المجتمع.

ومع ذلك، لا يبدو الأفق مغلقاً بالكامل. فبعض المؤشرات توحي بإمكانية استعادة الثقة، شريطة القيام بإصلاحات حقيقية تمس جوهر العملية السياسية، وليس فقط مظاهرها. فالدعوة إلى المشاركة، مهما كانت قوية، لن تكون كافية ما لم تُواكبها تحولات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

إن إعادة الاعتبار للفعل الانتخابي تمر أساساً عبر إعادة المعنى له. وهذا يقتضي:

ـ أحزاباً تُقنع بدل أن تُكرّر، وتؤطر بدل أن تكتفي بالتواصل الموسمي؛

ـ برامج تُنفذ بدل أن تُسوّق، وتُقيّم نتائجها بشفافية؛

ـ نخباً تتجدد وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، بدل إعادة إنتاج الوجوه نفسها؛ ومؤسسات تُعزز ثقة المواطن عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمواطن لا يحتاج فقط إلى صندوق اقتراع، بل إلى قناعة راسخة بأن صوته قادر على إحداث فرق، وأن مشاركته ليست مجرد إجراء شكلي، بل مساهمة فعلية في صناعة القرار.

في النهاية، لا يكمن التحدي في رفع نسب المشاركة فحسب، بل في بناء ثقة حقيقية ومستدامة بين المواطن والسياسة. لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المصوتين، بل بمدى إيمانهم بأن مشاركتهم ذات جدوى. وفي المغرب اليوم، يبدو أن الرهان الأكبر ليس إقناع المواطن بالتصويت، بل إقناعه بأن صوته ما يزال له معنى… وأن الصمت، مهما كان بليغاً، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن المشاركة.

*ايجة بومزيل: عضو لجنة المناصفة وتكافؤ الفرص بحزب العدالة والتنمية

Copyright © 2024