
متابعة: محمد طيب-
في كل دورة من دورات المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، تحتل دولة إفريقية واحدة مكانة الضيف الأول وتحظى باهتمام خاص يتجاوز مجرد المشاركة في المسابقة الرسمية. هذا التقليد الذي بات يُعرف بـ (سينما الضيف)، يمنح كل سنة منصة احتفالية متكاملة لسينما بلد بعينه، من عروض خاصة خارج المسابقة إلى لقاءات فنية وندوات وتكريمات. وفي الدورة السادسة والعشرين، يقع الاختيار على جمهورية الكونغو الديمقراطية لتكون ضيفة الشرف، في خيار يستوقف المتأمل ويستدعي قراءة أعمق.
الدورة 16 وميلاد تقليد جديد
لم تكن فكرة (سينما الضيف) حاضرة في المهرجان منذ بداياته. فعلى مدى خمس عشرة دورة، كان المهرجان يكتفي بالمسابقة الرسمية والأنشطة الموازية دون أن يخصص حيزاً احتفالياً لسينما دولة بعينها. غير أن الدورة السادسة عشرة عام 2013 جاءت بالجديد، حين استضاف المهرجان لأول مرة السينما المالية كضيفة شرف، فاتحاً بذلك باباً لن يُغلق بعد ذلك.
لم يكن اختيار مالي عام 2013 اعتباطياً. فمالي تحتل مكانة متميزة في تاريخ السينما الإفريقية، إذ أنجبت مخرجين كباراً كسليمان سيسي الذي أعطى في الثمانينيات بُعداً جديداً للسينما القارية بأفلام كفيلم (ييلين) الحائز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان 1987. وكان اختيارها تكريماً لهذا الإرث الثري وتأكيداً على أن خريبكة تريد أن تحتفي بالذاكرة السينمائية الإفريقية، لا أن تكتفي بالحاضر فحسب.

تنوع التجارب والجغرافيا: خريبكة تجول القارة
على امتداد أحد عشر دورة منذ انطلاق هذا التقليد، جالت خريبكة القارة الإفريقية من غربها إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها.
انطلق هذا التقليد عام 2013 بالسينما المالية في الدورة السادسة عشرة، ثم توالت الدول الضيفة دورة بعد دورة: ساحل العاج عام 2014، والسنغال عام 2015، وإثيوبيا عام 2016، ورواندا عام 2017، وأنغولا عام 2018. وبعد توقف قسري فرضته جائحة كورونا التي أربكت العالم وأوقفت المهرجانات الكبرى والصغرى على حد سواء، استأنف المهرجان مسيرته عام 2022 مع بوركينا فاسو في الدورة الثانية والعشرين، ثم الكاميرون عام 2023، ومالي للمرة الثانية عام 2024 في اعتراف بعمق تجربتها السينمائية، فموريتانيا عام 2025، وصولاً إلى الكونغو الديمقراطية عام 2026. وهكذا يتحول المهرجان عاماً بعد عام إلى خريطة حية تجول القارة من غربها إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها، مستعرضاً ثراء السينما الإفريقية في تنوعها اللغوي والثقافي والجغرافي.
معايير الاختيار: بين التكريم والاكتشاف
يبدو أن المهرجان يوازن في اختياراته بين منطقين متكاملين لا متناقضين. الأول هو منطق التكريم، إذ تستضيف خريبكة سينمات ذات إرث راسخ كمالي والسنغال وبوركينا فاسو، في اعتراف بدورها التاريخي في تأسيس هوية السينما الإفريقية. والثاني هو منطق الاكتشاف والإنصاف، إذ تُمنح المنصة أيضاً لسينمات ظلت طويلاً في الظل كإثيوبيا وأنغولا ورواندا، مما يمنح مخرجيها فرصة نادرة للتواصل مع جمهور دولي جديد.
وثمة خيط آخر يربط بعض هذه الاختيارات، فعدد من الدول المستضافة تعاني أو عانت من ظروف صعبة أعاقت تطور سينماتها، سواء أكانت حروباً أم أزمات اقتصادية أم نقصاً في البنية التحتية السينمائية. واستضافتها في خريبكة نوع من التضامن الثقافي الإفريقي الذي يؤمن بأن كل سينما تستحق أن تُرى وتُسمع، بصرف النظر عن إمكانيات البلد الذي أنتجها.

الكونغو الديمقراطية: سينما الصمود
في الدورة السادسة والعشرين، يقع الاختيار على جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو اختيار بالغ الدلالة. فهذا البلد الشاسع الذي يضم أكثر من مئة مليون نسمة ويزخر بتنوع ثقافي استثنائي، عرفت سينماه تاريخاً متقطعاً مليئاً بالعقبات. فبعد استقلاله عن بلجيكا عام 1960، عرف موجات متعاقبة من الحروب الأهلية والأزمات السياسية التي دمّرت بنيته السينمائية الناشئة، حتى بات أغلب سينمائييه يقيمون ويعملون خارج البلاد.
غير أن هذه السينما أنجبت رغم كل الصعاب أسماء لامعة كالمخرج بالوفو باكوبا كانياندا والمخرج ديودو حمادي الذي اشتهر بأفلامه الوثائقية المؤثرة. وبرنامج استضافتها في الدورة الحالية يشمل عروضاً خاصة ولقاءات فنية وندوات وتكريمات، في احتفاء بتجربة سينمائية إفريقية تستحق أن تُعرف أكثر مما هي معروفة.
ولا يخفى التناغم العميق بين قصة هذه السينما وقصة مهرجان خريبكة نفسه، كلاهما صمد في وجه الأزمات، وكلاهما يؤمن بأن الإبداع لا يموت حتى حين تنعدم الإمكانيات. وربما هذا هو السر الحقيقي وراء اختيار الكونغو الديمقراطية ضيفة شرف لعام 2026.
Copyright © 2024