من جائزة الجمهور إلى عثمان صامبين تاريخ الجوائز في المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة

محمد طيب

في ختام كل دورة، حين تُعلن لجنة التحكيم عن الجائزة الكبرى ‘عثمان صامبين’، ويصعد الفائز إلى المنصة في المركب الثقافي محمد السادس بخريبكة، فإن هذه اللحظات تحمل في طياتها تاريخاً طويلاً من الصمود والتطور والنضج. فمنظومة الجوائز التي تميز مهرجان خريبكة اليوم لم تولد دفعة واحدة، بل تشكلت تدريجياً عبر دورات متعاقبة، كل منها أضافت لبنة جديدة إلى هذا الصرح الجمالي والنقدي.

البدايات: حين كان التقدير بلا لجان

في دوراته الثلاث الأولى، لم يكن مهرجان خريبكة يعرف الجوائز بمفهومها الاحترافي الراهن. كان الملتقى في جوهره فضاءً للحوار والنقاش، تُعرض فيه الأفلام وتُناقش، وتتبادل فيه الكفاءات السينمائية الإفريقية التجارب والرؤى. غير أن الدورة الثالثة عام 1988 شكّلت منعطفاً أولياً، إذ شهدت لأول مرة جوائز تقديرية من طبيعة رمزية، كجائزة الجمهور وجائزة النقاد، في إشارة واضحة إلى أن المهرجان بدأ يفكر في تجاوز منطق الملتقى نحو منطق المسابقة الرسمية.

كان الاختيار آنذاك واعياً ومقصوداً. فالأندية السينمائية التي احتضنت المهرجان في بداياته آمنت بأن الجمهور والناقد شريكان أساسيان في العملية السينمائية، لا مجرد متلقيين سلبيين. وهكذا جاءت جائزتا الجمهور والنقاد تعبيراً عن هذا الإيمان قبل أن تتحول الجوائز إلى منظومة احترافية متكاملة.

1990: الميلاد الحقيقي لمنظومة الجوائز

جاءت الدورة الرابعة عام 1990 لتُحدث النقلة النوعية الحقيقية في تاريخ جوائز المهرجان. ففي يناير من ذلك العام، أعلن الأستاذ نور الدين الصايل عن تشكيل أول مجلس إداري للمهرجان، وفي صيف العام ذاته، رأينا أول لجنة تحكيم رسمية برئاسة السينمائي المصري الكبير توفيق صالح. كان وراء اختيار توفيق صالح رئيساً للجنة التحكيم الأولى رسالة واضحة، مفادها أن مهرجان خريبكة لا يبحث عن شهرة سهلة، بل عن مصداقية حقيقية مبنية على الكفاءة والعمق النقدي.

مع هذه اللجنة الأولى، دخلت الجوائز الرسمية عالم مهرجان خريبكة، وبات الفيلم الإفريقي يُقاس ويُحكم عليه وفق معايير فنية ونقدية صارمة. ولم يعد المهرجان مجرد فضاء للعرض، بل أصبح ساحة للتنافس والتميز، مما أضفى عليه بريقاً إضافياً وجذب إليه جمهورا عريضا وصناعاً سينمائيين من مختلف أنحاء القارة.

دلالات ورسائل خلف جوائز تحمل أسماء الرواد

من أبرز ما يميز منظومة الجوائز في مهرجان خريبكة أن لها أسماء نجوم سطعت في سماء السينما الافريقية، وتقاطعت مساراتها مع مسار هذا الملتقى الساطع في سماء القارة. فكل جائزة تحمل اسم شخصية إفريقية أو مغربية تركت بصمتها الراسخة في تاريخ السينما، مما يجعل من كل جائزة احتفاءً مزدوجاً، بالفيلم الفائز وبالرائد الذي تحمل الجائزة اسمه.

الجائزة الكبرى تحمل اسم عثمان صامبين، الأب المؤسس للسينما الإفريقية والسينمائي السنغالي الذي فتح الطريق أمام أجيال من المبدعين الأفارقة. وجائزة لجنة التحكيم تحمل اسم نور الدين الصايل، عراب المهرجان. وجائزة الإخراج تحمل اسم إدريسا ويدراوغو، المخرج البوركينابي الكبير. وجائزة السيناريو تحمل اسم الناقد المصري سمير فريد. أما جائزتا التمثيل، فتحملان اسمي الممثلة المغربية أمينة رشيد والممثل المغربي محمد بسطاوي، ابن مدينة خريبكة، في إشارة رمزية جميلة إلى الانتماء المحلي.

وفي فئة الأفلام القصيرة، تحمل الجائزة الكبرى اسم نجيب عياد، وجائزة لجنة التحكيم تحمل اسم المنظّر السينمائي الغيني بولان صومانو فييرا، من أوائل المنظرين للسينما الإفريقية.

الدورة 25: حين تكلمت السينما الإفريقية بأصوات متعددة

لفهم ما تحمله جوائز الدورة السادسة والعشرين من رهانات، تكفي نظرة على نتائج الدورة الخامسة والعشرين التي اختُتمت في يونيو 2025. فقد ذهبت الجائزة الكبرى «عثمان صامبين» إلى فيلم ‘قرية قرب الجنة’ للمخرج الصومالي مو هاواري، في خيار لافت كرّم سينما هذا البلد الذي ظل طويلاً بعيداً عن الأضواء. فيما أسندت جائزة لجنة التحكيم «نور الدين الصايل» إلى فيلم «وشم الريح» للمخرجة المغربية ليلى التريكي، وجائزة الإخراج «إدريسا ويدراوغو» إلى فيلم «راضية» للمخرجة المغربية خولة أسباب.

أما جائزة السيناريو «سمير فريد» فقد آلت إلى فيلم «شاي أسود» للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، وجائزة أحسن ممثلة «أمينة رشيد» إلى سارة الحناشي عن دورها في الفيلم التونسي «الجسر»، وجائزة أحسن ممثل «محمد بسطاوي» إلى بن محمود مبوه عن دوره في الفيلم السنغالي «ديمبا». وفي فئة الأفلام القصيرة، حاز فيلم «شيخة» للمغربيين زهوة راجي وأيوب اليوسفي على الجائزة الكبرى.

نتائج تعكس تنوعاً جغرافياً حقيقياً امتد من الصومال إلى موريتانيا مروراً بالمغرب والسنغال وتونس، وهو تماماً ما يطمح إليه المهرجان في كل دورة.

الدورة 26: جوائز في خدمة التنوع الإفريقي

في الدورة السادسة والعشرين، تحتفظ منظومة الجوائز ببنيتها الراسخة، مع إضافات تعكس النضج المؤسسي للمهرجان. فإلى جانب الجوائز الرسمية للجان التحكيم، تمنح لجنة الأندية السينمائية الإفريقية ولجنة النقد السينمائي الإفريقي جوائزهما الثقافية الخاصة، في تأكيد على أن المهرجان لم ينسَ جذوره في العالم السينيفيلي الذي أنجبه. كما تمنح لجنة المهرجانات السينمائية الإفريقية جائزتها الخاصة للأفلام القصيرة.

ويشارك في المسابقة الرسمية لهذه الدورة 26 فيلماً من أكثر من خمس عشرة دولة إفريقية، 14 فيلماً طويلاً و12 قصيراً، في تنوع جغرافي وثقافي يجعل من هذه المنافسة احتفاء حقيقياً بغنى السينما الإفريقية وتعدد أصواتها. ومن المقرر أن تُعرض عدة أفلام لأول مرة أمام الجمهور في عروض أولى حصرية، مما يضاعف من ثقل المسابقة وقيمتها.

وهكذا من جائزة جمهور بسيطة في دورة 1988، إلى منظومة جوائز تحمل أسماء رواد السينما الإفريقية وتشمل لجان تحكيم متعددة وجوائز ثقافية موازية، قطع مهرجان خريبكة رحلة طويلة في تشكيل هويته النقدية والجمالية. وحين تُرفع جائزة عثمان صامبين في ختام الدورة السادسة والعشرين، سيكون لنا لقاء مع فصل آخر واحتفاء متجدد بالحاضر واعتراف بكل من أسّس لهذا المجد.

Copyright © 2024