
محمد طيب –
ثمة كتب تُكتب لتُقرأ، وثمة كتب تُكتب لأن كاتبها لم يجد سبيلاً آخر لإنصاف ما عاشه. كتاب (خريبكة قلعة السينما الإفريقية) للمؤلف ثلاث عبد العزيز ينتمي إلى الصنف الثاني. فهذا الرجل الذي عاش المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة من الداخل، وشهد محطاته الكبرى وتقلباته وانكساراته وانتصاراته، وتولى مسؤولية الإعلام والتواصل في مؤسسته، وجد أن ما يحمله في ذاكرته يفوق ما يمكن أن يضمّه أرشيف رسمي أو تختزله بلاغات إدارية، فكان الكتاب.
غلاف يحكي قبل أن تُقلّب الصفحات
لا يحتاج القارئ إلى فتح الكتاب ليفهم ما ينتظره بين دفتيه. فغلافه وحده يحكي قصة كاملة، شمعة تحترق في الظلام، وأشرطة أفلام متناثرة كأنها بقايا حلم طويل، والعنوان بالذهب على خلفية سوداء، وفي الأسفل ثلاث كلمات تلخص مشروعاً من خمسة وأربعين عاماً: (سجل تاريخي من 1977 إلى 2025 لمدينة… لسينما… لقارة…). شمعة السينما الإفريقية التي أُشعلت في خريبكة عام 1977 لا تزال تحترق، وهذا الكتاب شاهد على أنها لن تنطفئ.
من هو ثلاث عبد العزيز؟
لا يمكن فهم قيمة هذا الكتاب دون استحضار هوية كاتبه. فثلاث عبد العزيز ليس باحثاً أكاديمياً جاء يدرس المهرجان من الخارج، ولا صحفياً زار خريبكة بضع مرات وسجّل انطباعاته. إنه أحد رواد هذا الملتقى ومنظميه الأوائل، رجل عاش المهرجان في دوراته الأولى حين كان لا يزال ملتقى هشاً يبحث عن هويته، وشهد أزماته الحادة وانقطاعاته القسرية، ثم بعثه من جديد مع من حملوا المشعل في أصعب اللحظات. وحين تحوّل المهرجان إلى مؤسسة راسخة، كان ثلاث في قلبها مسؤولاً عن الإعلام والتواصل، يرى كل شيء ويسمع كل شيء ويدوّن.
هذه المكانة الفريدة تمنح كتابه ما لا يملكه أي مرجع آخر حول المهرجان، فهو رواية من الداخل، بكل تفاصيلها الإنسانية غير المنقّحة، وبكل ما تحمله من لحظات إخفاق ولحظات انتصار لا تظهر في الوثائق الرسمية.
460 صفحة بين التاريخ والتحليل والتوثيق
يقع الكتاب في 460 صفحة موزعة بين مدخل عام نظري وبابين رئيسيين. يستهل المؤلف عمله بمدخل يُؤطّر مفهوم (السينما الثالثة) بوصفه اتجاهاً فنياً وموضوعاتياً مميزاً ولد في أحضان حركات التحرر بأمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، قبل أن يتناول المهرجانات السينمائية المغربية بوصفها قاطرة القطاع. أما الباب الأول فيأخذنا في رحلة زمنية مضنية عبر خمس وعشرين دورة، من الملتقى الهش عام 1977 إلى المهرجان الدولي المعترف به قارياً ودولياً. وفي الباب الثاني يفتح المؤلف ملاحق القلعة السينمائية، موزعةً على أربعة محاور: ملتقى خريبكة والمهرجان، والسينما المغربية، والسينما بإفريقيا، وختاماً وثائق ميلاد وآفاق السينما بإفريقيا.
هذا الهيكل يجعل الكتاب مرجعاً مزدوجاً، هو في آنٍ واحد سيرة ذاتية لمهرجان، وموسوعة للسينما الإفريقية والمغربية، وأرشيف وثائقي نادر يحفظ ما كان مهدداً بالنسيان.
Copyright © 2024