
بقلم: عادل حسني –
برحيل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي Edgar Morin، يفقد العالم أحد أبرز دعاة الفكر الإنساني والحوار بين الثقافات، لكن الأفكار الكبرى لا ترحل برحيل أصحابها. فهي تظل حية في المؤسسات والفضاءات التي آمنت بها واحتضنتها. ومن بين هذه الفضاءات، يبرز المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة، الذي جمعته بإدغار موران علاقة تتجاوز حدود المشاركة البروتوكولية إلى التقاطع العميق بين الفكر والسينما والإنسان.
في سنة 2016، ترأس إدغار موران لجنة تحكيم المهرجان، في لحظة كانت تحمل أكثر من دلالة. فاختيار مفكر عالمي بهذا الحجم لرئاسة لجنة تحكيم تظاهرة سينمائية أفريقية لم يكن حدثاً عادياً، بل رسالة ثقافية تؤكد المكانة التي راكمها مهرجان خريبكة داخل المشهد السينمائي الدولي، وقدرته على استقطاب أسماء فكرية وازنة تؤمن بدور السينما في فهم العالم وتحليل تعقيداته.
لقد كان موران من أكثر المفكرين دفاعاً عن فكرة “الفكر المركب”، أي ذلك الفكر القادر على الربط بين الظواهر بدل تجزئتها. وهي الفكرة نفسها التي ظلت حاضرة، بشكل أو بآخر، في فلسفة مهرجان خريبكة منذ تأسيسه سنة 1977 على يد رواد الحركة السينمائية والنادي السينمائي بالمدينة، الذين آمنوا بأن السينما ليست مجرد فرجة، بل وسيلة للمعرفة والحوار وبناء الوعي.
لم يكن حضور إدغار موران في خريبكة حضور ضيف عابر، بل كان اعترافاً ضمنياً بمكانة مهرجان استطاع أن يحافظ على هويته الأفريقية وعلى رسالته الثقافية لعقود طويلة. فمن مدينة الفوسفاط، التي قد تبدو بعيدة عن المراكز الثقافية التقليدية، انطلقت تجربة فريدة جعلت من السينما الأفريقية موضوعاً للتفكير والنقاش والترافع الثقافي على المستوى القاري والدولي.
واليوم، ونحن نستحضر ذكرى إدغار موران، فإننا لا نستحضر فقط رئيس لجنة تحكيم سابق، بل نستحضر رمزاً إنسانياً وجد في مهرجان خريبكة ما ينسجم مع مشروعه الفكري القائم على الحوار والتعددية والانفتاح على الآخر. وهي القيم نفسها التي ظل المهرجان يدافع عنها منذ عقود من خلال احتضانه لسينمائيين ومبدعين من مختلف أنحاء القارة الأفريقية.
إن العلاقة بين إدغار موران ومهرجان خريبكة تختزل في جوهرها علاقة الفكر بالصورة، والفلسفة بالسينما، والإنسان بالإنسان. ولذلك فإن رحيل موران لا يعيد إلى الأذهان فقط مساره الفكري الاستثنائي، بل يعيد أيضاً التذكير بقيمة المهرجان كفضاء لم يكن يحتفي بالأفلام وحدها، بل بالأفكار التي تحملها، وبالأسئلة التي تطرحها، وبالحلم المشترك في بناء عالم أكثر فهماً وعدالة وتضامناً.
رحل إدغار موران، لكن بصمته ستظل حاضرة في ذاكرة خريبكة، تماماً كما ستظل خريبكة محطة مضيئة في سيرة رجل جعل من الإنسانية مشروع عمر، ومن الحوار بين الثقافات رسالة لا تنتهي
Copyright © 2024