نور الدين الصايل… حين يصبح النقد مشروعًا ثقافيًا بمناسبة الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة

محمد طيب-

حين تُرفع جائزة لجنة التحكيم في ختام كل دورة من دورات المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، وحين يُنادى على الفائز باسم (جائزة نور الدين الصايل)، فإن مهرجان خريبكة لا يُكرّم مجرد ناقد سينمائي راحل أو مسؤول ثقافي غابت عنه الأضواء. إنه يُكرّم روح العراب الحقيقي، والرجل الذي كان له الفضل الكبير في تأسيس هذا المهرجان وتطوره، والمدير المحنك الذي قاد هذا المشروع الثقافي من خريبكة إلى العالمية عبر إفريقيا.

من طنجة إلى خريبكة: ولادة الشغف

وُلد نور الدين الصايل عام 1947 في مدينة طنجة، تلك المدينة المنفتحة على العالم والمشبعة بتقاطعات الثقافات. ومنذ شبابه، ما وجده في السينما ليس مجرد متعة ومشاهدة بل أداة للتفكير والتساؤل والفعل. وكانت الأندية السينمائية هي الفضاء الذي صقل وعيه السينمائي وأرسى قناعاته النقدية، إذ آمن مبكراً بأن الفن السابع قادر على أن يكون مرآة للمجتمع ومحركاً للوعي الجماعي.

في عام 1973، أسّس الصايل الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب وترأسها حتى عام 1983، في خطوة أرست الأساس لمنظومة سينيفيلية وطنية متماسكة، جمعت الشباب المغربي العاشق للسينما تحت سقف واحد. وكانت هذه الجامعة هي الأم الحقيقية لمهرجان خريبكة، إذ من رحمها وُلد الملتقى الأول للسينما الإفريقية عام 1977.

1977: الرجل والحلم والسينما

لا يمكن الحديث عن الملتقى الأول للسينما الإفريقية بخريبكة دون أن يكون نور الدين الصايل في قلب الصورة. فهو من قاد الجلسات الحوارية في ذلك الربيع من عام 1977، وهو من منح الحدث روحه النقدية والفكرية، وهو من حرص على أن يكون اللقاء حواراً حقيقياً بين سينمائيين أفارقة لا مجرد عروض سياحية. وقد أشار الناقد الفرنسي سيرج توبيانا في مقاله الشهير بمجلة (دفاتر السينما) إلى الطابع الفريد والاستثنائي لهذا الملتقى.

وحين تعثّر المهرجان وتوقف بعد دورتيه الأولى والثانية، كان الصايل دائماً الحلقة التي تجمع الأطراف من جديد. ففي عام 1986، عاد إلى خريبكة لإلقاء محاضرة، والتقى بالأستاذ محمد بركات رئيس المجلس البلدي، فأطلقا معاً مسيرة إعادة إحياء المهرجان التي أثمرت عن الدورة الثالثة عام 1988. وفي يناير 1990، أعلن الصايل عن تشكيل أول مجلس إداري للمهرجان، وجاءت الدورة الرابعة في صيف ذلك العام لتُحدث نظام الجوائز الرسمية وأول لجنة تحكيم، إرساءً لأسس المهرجان الاحترافية.

مسار وطني متشعب

لم يكن ارتباط الصايل بخريبكة يحجب مساره الوطني والدولي الواسع. فقد تولى إدارة برامج التلفزة المغربية بين 1984 و1986، ثم قناة الأفق بين 1990 و2000، فمديراً عاماً للقناة الثانية المغربية بين 2000 و2003. وجاء تعيينه مديراً للمركز السينمائي المغربي بين 2003 و2014 ليجعله في قلب السياسة السينمائية الوطنية، حيث عمل على دعم الإنتاج المغربي وتطوير صندوق الدعم وتحويل ورزازات إلى قبلة عالمية لتصوير الأفلام الكبرى.

وفي كل هذه المحطات، ظل الصايل وفياً لقناعته الأساسية التي نشأت في رحم الأندية السينمائية، أن السينما ليست صناعة ترفيه فحسب، بل رسالة ثقافية وأداة لبناء الهوية وتعزيز الحوار. وكان نقده السينمائي يتميز بخاصية فريدة وصفها المقربون منه بأنها تنطلق من الفيلم وتنتهي إليه، متحررة من الأطر الفلسفية المجردة، مستندة إلى تشريح الواقع الاجتماعي والسياسي بعين حادة ونظرة إنسانية دافئة.

العودة إلى خريبكة واكتمال الدائرة

في عام 2009، حين تحوّلت الجمعية المنظمة للمهرجان إلى مؤسسة قائمة بذاتها، عاد نور الدين الصايل ليترأسها، مانحاً بخبرته وكاريزمته دفعة قوية لتطوير البرامج الفنية وتوسيع الشراكات مع المهرجانات الإفريقية والدولية. ولا بد نذكر هنا، أن هذه العودة لم تكن عودة إلى الفراغ. فحين وجد الصايل المهرجان في انتظاره، وجد خلفه أبطالا لا تذكرهم السجلات الرسمية ولا تحمل الجوائز أسماءهم، لكنهم كانوا الأساس الصامت الذي أبقى الجمر متقداً في السنوات العجاف.

فبين 1994 و2000، حين غرق المهرجان في الديون وكاد يتحول إلى ذكرى، كانت ثلة من عشاق السينما وأبناء المدينة المخلصين يرفضون الاستسلام. التقوا في لقاءات منتظمة، ونظموا عروضاً صغيرة، وحملوا ملف المهرجان إلى كل فاعل ثقافي ومسؤول محلي، وظلوا يُذكّرون الذاكرة الجماعية بأن خريبكة كانت يوماً عاصمة للسينما الإفريقية وأنها ستعود. هؤلاء المجهولون هم الذين مهّدوا الطريق لعودة المهرجان عام 2000، ولعودة الصايل إليه لاحقاً. وإنصافهم ليس إنقاصاً من قدر الصايل، بل هو تمام لصورة مهرجان لم يصمد ولن يصمد بفرد واحد مهما بلغت عبقريته، بل بجماعة آمنت بحلم مشترك.

وفي ديسمبر 2020، رحل نور الدين الصايل عن عالمنا متأثراً بإصابته بفيروس كورونا، في خضم الجائحة التي أوقفت المهرجانات وأغلقت الشاشات في كل أنحاء العالم. كان رحيله خسارة فادحة للسينما المغربية والإفريقية معاً، وكان أيضاً نهاية فصل من أجمل فصول تاريخ مهرجان خريبكة. غير أن المهرجان الذي علّمه الصمود أبى أن يتوقف، واستأنف مسيرته بعد انتهاء الجائحة لتحمل جائزة لجنة التحكيم اسم نور الدين الصايل، وهي جائزة تُمنح في كل دورة لأفضل فيلم تختاره لجنة التحكيم.

الدورة 21: آخر ظهور للصايل في بيته

في عام 2018، احتضنت خريبكة الدورة الحادية والعشرين للمهرجان تحت شعار (النقد السينمائي في زمن شبكات التواصل الاجتماعي)، وكان نور الدين الصايل حاضراً كعادته، يُدير النقاشات ويُضيء الأفكار ويملأ الفضاء بحيويته المعهودة. لم يكن أحد يعلم آنذاك أن تلك الدورة ستكون آخر حضور له في المهرجان الذي أسّسه وأحبّه. صورته في الندوة الرسمية تلك، ممسكاً بالميكروفون وإصبعه يؤكد وعيناه تتقدان، باتت اليوم وثيقة تاريخية شاهدة على رجل لم يتوقف عن العطاء حتى اللحظة الأخيرة.

وبعد تلك الدورة، جاءت جائحة كورونا لتوقف العالم كله وتُغلق الشاشات وتُعطّل المهرجانات. وفي ديسمبر 2020، رحل نور الدين الصايل متأثراً بإصابته بالفيروس، في خسارة موجعة طالت السينما المغربية والإفريقية معاً. كان رحيله في خضم الصمت القسري الذي فرضته الجائحة، بعيداً عن شاشات خريبكة وقاعات النقاش التي أحبّها.

الدورة 22: دورة العرفان

حين استأنف المهرجان مسيرته عام 2022 بعد انقطاع الجائحة، كانت أول دورة بدون نور الدين الصايل. وكان على المهرجان أن يقول وداعه بالطريقة التي تليق بعرّابه. فجاءت الدورة الثانية والعشرون تحت شعار (حلم قارة بأكملها)، شعار يختزل في كلمات قليلة ما حمله الصايل طوال حياته من طموح لسينما إفريقية حرة ومستقلة.

وكان أبلغ تكريم في تلك الدورة هو إطلاق اسم نور الدين الصايل على جائزة لجنة التحكيم، لتصبح هذه الجائزة الرفيعة التي تمنحها لجنة المحكّمين في كل دورة حاملةً لاسمه دائما. وهكذا صار كل فيلم يفوز بهذه الجائزة يشكل امتداداً لرؤية نور الدين الصايل ومشروعه.

غير أن الأجمل والأعمق في تلك الدورة كان ملصقها الرسمي، الذي شكّل قطيعة بصرية صريحة مع كل ما جرت عليه عادة ملصقات المهرجان. فعلى امتداد دوراته السابقة، اعتمدت الملصقات لغة تجريدية: خرائط إفريقيا وأشرطة الأفلام والزخارف القارية والرموز الجمالية. وكانت الدورة السابعة عشرة عام 2014 قد وضعت صورة صغيرة لعثمان صامبين في زاوية الملصق، وهو استثناء خجول سرعان ما عادت بعده الملصقات إلى لغتها التجريدية البحتة.

أما ملصق الدورة الثانية والعشرين فجاء مختلفاً كلياً، وللمرة الأولى في تاريخ المهرجان يحتل البشر الحقيقيون المساحة كلها. في المقدمة يقف نور الدين الصايل بالأبيض والأسود ممسكاً بالميكروفون في إيماءة مألوفة لكل من عرفه، بينما تحتشد خلفه وجوه رواد السينما الإفريقية الذين أحبّهم وناضل من أجلهم: عثمان صامبين خلف كاميرته، وإدريسا ويدراوغو على كرسي المخرج، وأمينة رشيد وسمير فريد ونجيب عياد وبولان صومانو فييرا ومحمد بسطاوي. كلهم رحلوا، وكلهم باتت أسماؤهم جوائز تُمنح في خريبكة كل عام. الملصق كله تكريم صامت، أعمق من أي خطاب وأبقى من أي كلمة.

في كل دورة حين يصعد فائز إلى المنصة ليتسلّم (جائزة نور الدين الصايل)، فإنه يتسلّمها باسم كل الأفلام الإفريقية التي ناضل الصايل من أجل أن تُرى وتُسمع، وباسم كل الشباب الذي آمن بأن السينما يمكن أن تغيّر العالم أو على الأقل أن تجعله أكثر إنسانية.

Copyright © 2024