قانون المحاماة أمام المرآة المؤسساتية.. عندما تعجز المسطرة عن بلوغ جوهر النص

بقلم: نجيب مصباح-

لم يكن قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد محطة إجرائية عابرة، ولا مجرد تعثر تقني يمكن تجاوزه في صمت. فالقرار، الذي أعلن تعذر البت في الإحالة بسبب اختلال مرتبط بوثائق الملف، أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من الوثيقة الناقصة: كيف تُدار القوانين ذات الحساسية المهنية والمؤسساتية داخل دولة يفترض أن تكون فيها الدقة التشريعية جزءاً من صميم العمل العمومي؟

المفارقة أن قانوناً أثار، منذ إعداده ومناقشته، كل هذا الجدل داخل مهنة المحاماة، ووصل إلى مرحلة الاحتجاجات المتواصلة وتعطيل عدد من الخدمات المرتبطة بالمحاكم، ينتهي مساره أمام المحكمة الدستورية عند عتبة إجرائية، لا عند عتبة النقاش الدستوري حول مضامينه.

وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: هل كان من الصعب التأكد من اكتمال وثائق الإحالة قبل إرسال الملف إلى المحكمة الدستورية؟ وهل كان من المتعذر على مؤسسة تشريعية تتوفر على أجهزة إدارية وقانونية وخبرات متخصصة أن تتحقق من وجود النسخة النهائية للنص موضوع المراقبة؟

لا يتعلق الأمر هنا بتفصيل شكلي يمكن الاستهانة به. المسطرة في العمل المؤسساتي ليست زينة إدارية، وإنما هي جزء من ضمانات دولة القانون. لكن احترام المسطرة لا ينبغي، في المقابل، أن يتحول إلى جدار يمنع المؤسسات من الوصول إلى جوهر القضايا عندما يكون الخلل قابلاً للتدارك.

وهذا ما يجعل الزمن الذي استغرقته معالجة الإحالة واحداً من أكثر عناصر القضية إثارة للتساؤل. فإذا كان النقص في الوثائق واضحاً وقابلاً للتصحيح، فلماذا لم يتم التعامل معه بالسرعة نفسها التي يفترض أن تميز الملفات ذات الطابع الدستوري والاستعجالي؟ ولماذا انتهى الأمر، بعد مرور أسابيع، إلى إعلان تعذر البت بدل تدارك النقص والانتقال إلى جوهر الإحالة؟

المقارنة التي يستحضرها مهنيون مع تعامل المحكمة الدستورية سابقاً مع إحالة مرتبطة بقانون المسطرة المدنية تضيف طبقة أخرى إلى هذا النقاش. فقد سبق للمحكمة أن تعاملت مع نقص وثائقي عبر استحضار الوثيقة المطلوبة، وهو ما يجعل التساؤل حول اختلاف المقاربة في الحالة الراهنة أمراً مشروعاً، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال التشكيك في استقلال المحكمة أو الطعن في حجية قراراتها.

المسألة، في جوهرها، تتعلق بالنجاعة المؤسساتية.

ففي القضايا التي تتقاطع فيها التشريعات مع مصالح مهنة بأكملها، ومع حقوق المتقاضين، ومع سير العدالة، يصبح الزمن المؤسساتي ذا قيمة مضاعفة. وكل تأخير غير مبرر في الوصول إلى جواب دستوري واضح يترك فراغاً لا يملؤه سوى التأويلات والشكوك والاحتقان.

ومن هنا، فإن تحميل المسؤولية للمؤسسات لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب شعبوي أو إلى أحكام جاهزة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول قدسية المؤسسات إلى حصانة من النقد. المؤسسات القوية ليست تلك التي لا تُسأل، وإنما تلك التي تستطيع أن تشرح للرأي العام كيف اتخذت قراراتها ولماذا اختارت مساراً إجرائياً دون آخر.

أما داخل مهنة المحاماة، فإن حجم الاحتجاج وطول مدته يكشفان أن الأزمة تجاوزت مجرد خلاف حول مواد قانونية. هناك أزمة ثقة واضحة، وأزمة تواصل، وشعور لدى جزء من الجسم المهني بأن صوته لم يجد إلى حدود اليوم المسار المؤسساتي الكافي لاحتواء مخاوفه.

وفي المقابل، فإن خطاب “التواطؤ” و”تركيع المهنة”، الذي بدأ يتردد في بعض الأوساط المهنية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يحتاج إلى الكثير من الحذر. فالغضب مفهوم، والاحتجاج مشروع، لكن تحويل الانطباعات إلى حقائق ثابتة دون أدلة لا يخدم لا المهنة ولا المؤسسات ولا النقاش العمومي.

ما تحتاجه القضية الآن ليس المزيد من التصعيد، وإنما المزيد من الوضوح.

على البرلمان أن يوضح للرأي العام كيف وقع هذا الخلل في ملف إحالة قانون بهذه الأهمية، وما إذا كان سيتم تصحيحه وإعادة الإحالة. وعلى المؤسسات المعنية أن تقدم تفسيراً واضحاً للمسار الذي اتبعته، بما يقطع الطريق أمام التأويلات المتضاربة.

كما أن جمعية هيئات المحامين ومختلف الفاعلين المهنيين مطالبون بتحويل حالة الاحتقان إلى مقترحات عملية، ومذكرات قانونية واضحة، وحوار مؤسساتي جاد، بدل ترك النقاش رهيناً لمنشورات منصات التواصل الاجتماعي.

القضية اليوم ليست فقط: هل قانون المحاماة دستوري أم غير دستوري؟

القضية الأعمق هي: هل تستطيع المؤسسات، عندما تقع في منطقة رمادية إجرائياً، أن تتدارك الخلل بسرعة وشفافية، أم أن المسطرة ستظل أحياناً أقوى من الحاجة إلى حسم القضايا التي تهم المجتمع والمهن والعدالة؟

قرار المحكمة الدستورية لم يغلق الباب أمام النقاش، بل ربما فتحه على مصراعيه.

والخطوة الأكثر مسؤولية الآن هي ألا يتحول هذا التعثر إلى أزمة جديدة، بل إلى فرصة لتصحيح المسار، واستكمال الوثائق، وإعادة الإحالة عند الاقتضاء، ثم الاحتكام إلى كلمة المحكمة الدستورية في جوهر النص.

فالقوانين لا تُبنى بالغضب، والمؤسسات لا تُدار بالشكوك، والثقة لا تُستعاد بالصمت.

ما تحتاجه قضية قانون المحاماة اليوم هو جواب مؤسساتي واضح، لا مزيد من الأسئلة المعلقة.

Copyright © 2024