بقلم: نجيب مصباح-
مع اقتراب استحقاق 23 شتنبر، يبرز في المشهد السياسي المغربي سلوك يستحق التوقف والتأمل: البهرجة قبل البرامج، والاحتفال قبل النتائج، والصورة قبل الخطاب.
فقد بدأت بعض الأحزاب في تقديم وافدين جدد ومرشحين في أجواء احتفالية واستعراضية، توحي أحياناً وكأن معركة الصناديق حُسمت قبل أن تبدأ، وكأن النجاح الانتخابي أصبح مناسبة للاحتفال بدل أن يكون نتيجة لاختيار المواطن.
ما يلفت الانتباه أكثر هو ما تتناقله صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من مقاطع تظهر فيها أجواء يغلب عليها الرقص والغناء والاستعراض، في وقت كان المواطن ينتظر أن يسمع عن البرامج والحلول والتصورات المرتبطة بمستقبله ومستقبل أبنائه.
ولا أحد يعترض على الفرح، ولا على الثقافة الشعبية، ولا على الاحتفاء بأهازيج أحيدوس والفنون المغربية الأصيلة. فهذه عناصر راسخة في الثقافة المغربية، ومكانها الطبيعي محفوظ في المجتمع والسياسة على حد سواء.
لكن الإشكال يبدأ، في تقديري، عندما يتحول الاحتفال إلى بديل عن السياسة، والاستعراض إلى بديل عن الخطاب، والصورة إلى بديل عن البرنامج.
الأكثر إثارة للانتباه هو ظهور بعض القيادات الحزبية في مشاهد احتفالية وهي تشارك في الرقص على إيقاعات شعبية، في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن من أمناء الأحزاب وقياداتها إجابات واضحة عن قضايا الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والسكن والنقل وغيرها من الملفات التي تمس حياته اليومية بشكل مباشر.
مرة أخرى، ليست المشكلة في الرقص بحد ذاته، وإنما في الرسالة السياسية التي يحملها المشهد، وتوقيته، والسياق الذي يقدم فيه.
فالقيادة الحزبية ليست مجرد حضور في مناسبة احتفالية، وإنما مسؤولية سياسية وتأطيرية تقتضي تقديم الأفكار والبرامج وشرح الاختيارات وإقناع المواطن بما يمكن تحقيقه، حتى يكون الناخب قادراً على الاختيار على أساس واضح.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام تجديد حقيقي في وسائل التواصل السياسي، أم أمام تراجع تدريجي لقيمة الخطاب والبرنامج لصالح منطق الصورة والمشهد والانتشار الرقمي؟
لا شك أن السياسة تغيرت، وأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة السياسية الحديثة. ومن غير الواقعي مطالبة الأحزاب بالعودة إلى أساليب التواصل القديمة.
لكن تحديث الخطاب السياسي لا يعني إفراغه من مضمونه، واستعمال المنصات الرقمية لا يعني تحويل السياسة إلى محتوى للفرجة فقط.
فالسياسي مطالب اليوم بأن يكون قادراً على التواصل مع المواطن بلغة جديدة، لكن الأهم أن تكون وراء هذه اللغة أفكار واضحة وبرامج قابلة للنقاش والمحاسبة.
كما أن بعض مظاهر الاحتفال والولائم واللقاءات التي يتم تداولها في الفضاء الرقمي تطرح، في بعض الحالات، أسئلة مشروعة حول طبيعة هذه الأنشطة وتوقيتها ومدى انسجامها مع القواعد المؤطرة للعملية الانتخابية.
ولا يعني طرح هذه الأسئلة توجيه اتهام إلى حزب أو شخص بعينه، بل يتعلق الأمر بضرورة فتح نقاش عمومي هادئ حول تكافؤ الفرص، وحدود الأنشطة السياسية، وكيفية حماية التنافس الانتخابي من أي ممارسات قد تثير الالتباس لدى الناخبين.
فنحن لا نحتاج إلى استباق أي حكم أو اتهام، بقدر ما نحتاج إلى وضوح في القواعد وتطبيقها على الجميع، حتى تظل المنافسة السياسية قائمة على البرامج والأفكار، لا على حجم الحضور أو قوة الاستعراض.
في تقديري، المواطن المغربي اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الفرجة السياسية بقدر ما يحتاج إلى سياسة تعيد إليه الثقة.
يحتاج إلى من يحدثه عن مستشفى يحترم كرامته، ومدرسة تضمن لأبنائه تعليماً جيداً، وفرصة شغل تحفظ كرامة الشباب، وقدرة شرائية لم تعد تحتمل المزيد من الضغط، وإدارة أكثر نجاعة، ومؤسسات أكثر قرباً من المواطن.
أما الرقص والغناء والولائم، فقد تصنع لحظة فرح عابرة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع مستقبلاً.
لقد كانت المهرجانات واللقاءات السياسية، في مراحل سابقة، فضاءً للاستماع إلى مواقف الأحزاب ومناقشة القضايا الوطنية والمحلية وتقديم البرامج والوعود التي يمكن للمواطن أن يحاسب عليها لاحقاً.
أما اليوم، فإن بعض المشاهد المتداولة تجعلنا نتساءل عما إذا كانت السياسة بدأت تفقد شيئاً من جديتها لصالح منطق الصورة والانتشار السريع.
وهنا تكمن المفارقة: السياسي قد ينجح في صناعة صورة جذابة خلال دقائق، لكنه يحتاج إلى برنامج مقنع حتى يحظى بثقة المواطن لسنوات.
والأغرب أن البعض يبدو وكأنه يحتفل بالنصر قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية.
لكن صندوق الاقتراع لا يعرف الرقص، ولا الولائم، ولا حجم التصفيق، ولا عدد الهواتف التي صورت المشهد.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه قبيل 23 شتنبر ليس: من رقص أكثر..؟ ومن نظم الاحتفال الأكبر..؟ ومن استطاع أن يجمع أكبر عدد من الأشخاص..؟
السؤال الحقيقي هو:
– من يملك البرنامج الأفضل..؟
– من يملك الكفاءة..؟
– من يملك القدرة على الوفاء بوعوده..؟
– ومن يستحق فعلاً ثقة المواطن..؟
تلك هي المعركة الانتخابية الحقيقية.
Copyright © 2024