
بقلم: نجيب مصباح-
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، تعود الحملات الانتخابية إلى الواجهة، بما تحمله من شعارات ولقاءات وتجمعات ووعود وبرامج، لكن معها أيضاً تبرز بعض الممارسات التي تستحق التوقف والنقاش، وفي مقدمتها حضور الأطفال في عدد من الأنشطة والحملات الانتخابية واستعمال صورهم ومشاركتهم في الترويج للمرشحين والأحزاب.
لسنا أمام نقاش يتعلق بالحضور العابر لطفل رفقة أسرته في فضاء عمومي، فهذا أمر طبيعي، وإنما أمام سؤال أكبر: هل ينبغي أن يتحول الطفل إلى أداة في المعركة الانتخابية؟
فالطفل ليس ناخباً، ولا يملك قرارا سياسيا، ولا يفترض أن يكون طرفاً في المنافسة الانتخابية. ومن ثم فإن إدماجه في الحملات الدعائية، أو تصويره وهو يحمل شعارات حزبية أو يشارك في أنشطة انتخابية موجهة للترويج السياسي، يفتح الباب أمام نقاش أخلاقي ومجتمعي حقيقي حول حدود المسؤولية السياسية تجاه الطفولة.
وتزداد حساسية الموضوع في هذه الفترة بالذات، ونحن على أبواب موسم دراسي جديد، حيث يفترض أن تكون الأولوية بالنسبة للأطفال هي العودة إلى المدرسة، واستعادة إيقاع الدراسة، وبناء علاقتهم بالمعرفة والتعلم، بعيداً عن أجواء الاستقطاب والمنافسة السياسية.
الانتخابات محطة ديمقراطية مهمة، والأحزاب والمرشحون من حقهم التواصل مع المواطنين والدفاع عن برامجهم واستقطاب الناخبين، لكن هذا الحق ينبغي أن يمارس داخل إطار من المسؤولية واحترام الفئات التي لا علاقة مباشرة لها بالعملية الانتخابية، وفي مقدمتها الأطفال.
إن تحويل الطفل إلى صورة في ملصق انتخابي، أو إلى عنصر في مشهد دعائي، قد يبدو للبعض تفصيلا بسيطا، لكنه في العمق يطرح سؤالاً حول احترام خصوصية الطفولة وحدود توظيفها في المجال السياسي.
والأمر لا يتعلق بحزب دون آخر، ولا بمرشح دون غيره، بل بمبدأ ينبغي أن يكون محل اتفاق بين مختلف الفاعلين السياسيين: الأطفال ليسوا وسيلة للدعاية الانتخابية.
كما أن المسؤولية لا تقع فقط على الأحزاب والمرشحين، وإنما تشمل الأسر والفاعلين المحليين والمنظمين للأنشطة، فضلاً عن وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي التي قد تساهم، أحياناً، في إعادة نشر صور الأطفال ضمن محتوى انتخابي دون الانتباه إلى الأبعاد الأخلاقية والقانونية المترتبة عن ذلك.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ، فإن نشر صورة لطفل في سياق انتخابي قد يجعلها خارج نطاق التحكم بمجرد تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي. لذلك يصبح احترام خصوصية القاصرين أكثر إلحاحاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحتوى سياسي يمكن أن يبقى متداولاً لفترة طويلة.
ومن هنا، فإن الحملة الانتخابية الناجحة لا تقاس بعدد الأطفال الذين ظهروا في تجمعاتها، ولا بحجم الصور التي انتشرت على مواقع التواصل، وإنما بقدرتها على تقديم برامج واضحة، وأفكار قابلة للنقاش، وحلول واقعية لمشاكل المواطنين.
السياسة تحتاج إلى أصوات الناخبين، لا إلى استغلال براءة الأطفال.
ومع انطلاق الموسم الدراسي، ربما يكون من المناسب أن يبعث المشهد الانتخابي رسالة واضحة: دعوا الأطفال إلى مدارسهم، ودعوا السياسة للكبار. فالطفولة فضاء للتعلم والحلم وبناء المستقبل، وليست ساحة للمنافسة الحزبية.
وفي نهاية المطاف، فإن احترام الطفل خلال فترة الانتخابات ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو جزء من صورة الممارسة الديمقراطية نفسها. وكلما ارتفع منسوب الوعي والمسؤولية لدى الفاعلين السياسيين، أصبحت المنافسة أكثر نضجاً، وأكثر احتراماً للمواطن، وللمدرسة، وللطفولة، وللمستقبل الذي من أجله تُخاض الانتخابات أصلاً.
Copyright © 2024