انتخابات بلا جمهور؟ حين يتراجع التصويت وتصعد السياسة من جديد

بقلم: عادل حسني

قد يكون الخطأ الأكبر بعد انتخابات 23 شتنبر هو أن نبدأ من سؤال: من تصدّر؟

فالأصالة والمعاصرة تصدر النتائج بـ97 مقعداً، وهذا معطى انتخابي واضح. لكن خلف هذا الرقم توجد قصة سياسية أكثر تعقيداً، وربما أكثر إزعاجاً للأحزاب نفسها.

القصة تبدأ من رقم آخر:

38.08 في المائة.

هذه هي نسبة المشاركة الوطنية المعلنة في الانتخابات التشريعية. أي أن الحديث عن «خريطة سياسية جديدة» يجب أن يرافقه سؤال لا يقل أهمية: من شارك في صناعة هذه الخريطة، ومن اختار أن يبقى خارجها؟

هنا تحديداً تبدأ القراءة السياسية الحقيقية.

صندوق الاقتراع قال كلمته… لكن جزءاً كبيراً من المجتمع لم يدخل إليه

لا ينبغي التعامل مع ضعف المشاركة باعتباره تفصيلاً تقنياً.

صحيح أن العزوف الانتخابي لا يمكن تفسيره بسبب واحد، ولا يمكن افتراض أن كل من لم يصوت يحمل الموقف السياسي نفسه. لكن الرقم يضع الأحزاب أمام مرآة صعبة.

لقد نجحت الأحزاب في تعبئة جزء من الناخبين، لكنها لم تنجح في جعل المشاركة السياسية شأناً جماعياً.

وهذه ليست مشكلة حزب واحد.

إنها مشكلة الثقة في السياسة نفسها.

فالانتخابات التي تنتج برلماناً جديداً بمشاركة محدودة تطرح سؤالاً أكبر من سؤال الأغلبية والمعارضة: ماذا يحدث عندما يصبح التنافس على أصوات الأقلية النشيطة أهم من إقناع الأغلبية الصامتة؟

هنا يكمن التحدي الحقيقي.

لأن الحزب يستطيع أن يفوز بالمقعد، لكن لا يستطيع أن يعتبر نفسه قد فاز تلقائياً بثقة المجتمع كله.

العدالة والتنمية: من جنازة سياسية إلى عودة مفاجئة

في انتخابات 2021 بدا أن العدالة والتنمية دخل مرحلة يصعب معها تصور عودته السريعة إلى قلب المشهد.

13 مقعداً فقط.

خمس سنوات لاحقاً، الرقم أصبح 54.

زيادة بـ41 مقعداً، وانتقال من المرتبة الثامنة إلى الرابعة.

وهنا يجب أن نكون دقيقين.

هذه العودة لا تعني أن المغرب عاد إلى انتخابات 2016، ولا أن الناخب أعاد إنتاج الخريطة القديمة. السياق تغير، والناخب تغير، والحزب نفسه خاض تجربة مختلفة.

لكنها تعني شيئاً مهماً:

العدالة والتنمية لم يمت انتخابياً كما اعتقد البعض.

بل إن جزءاً من الناخبين أعاد فتح الباب أمامه.

وتطرح هذه العودة فرضيات متعددة؛ من بينها التصويت العقابي تجاه أحزاب في الحكومة السابقة، واستفادة الحزب من استعادة حضوره السياسي وخطابه، وهي قراءات يطرحها محللون وليست حقيقة وحيدة يمكن اختزال النتيجة فيها.

لكن أياً كان التفسير، فالرسالة السياسية واضحة: لا أحد يستطيع أن يكتب شهادة وفاة انتخابية لحزب ما قبل أن يتحدث الناخب.

الاتحاد الاشتراكي: عندما لا يكفي التاريخ

في الجهة الأخرى من المشهد، هناك رقم يحمل دلالة مختلفة تماماً.

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حصل على 26 مقعداً، مقابل 34 في انتخابات 2021.

التراجع في حد ذاته ليس مجرد خسارة ثمانية مقاعد.

لأن الاتحاد الاشتراكي ليس حزباً عادياً في تاريخ اليسار المغربي.

إنه حزب يحمل ذاكرة سياسية وثقلاً تاريخياً ورصيداً رمزياً كبيراً.

لكن السياسة لا تمنح المقاعد بناءً على التاريخ.

التاريخ يمنح الرصيد، لكنه لا يضمن المستقبل.

وهنا ربما يوجد السؤال الأصعب بالنسبة للاتحاد الاشتراكي: هل لا يزال الحزب قادراً على مخاطبة الأجيال الجديدة بنفس اللغة السياسية التي صنعت جزءاً من مجده السابق؟

لأن الناخب الشاب لا يصوت بالضرورة للذاكرة.

إنه يصوت لما يعتقد أنه يعبر عن واقعه ومستقبله.

والانتخابات لا تحاكم فقط ما قاله الحزب بالأمس، بل تختبر قدرته على قول شيء مقنع اليوم.

لكن المفاجأة الحقيقية على يسار المشهد قد تكون في مكان آخر

بينما يتراجع الاتحاد الاشتراكي، يخرج تحالف اليسار، أو فيدرالية اليسار الديمقراطي، بـ8 مقاعد بعدما كان رصيده مقعداً واحداً في انتخابات 2021.

سبعة مقاعد إضافية ليست تفصيلاً.

ولا تعني بالضرورة أن اليسار استعاد موقعه التاريخي، فهذا استنتاج أكبر من الأرقام.

لكنها تقول شيئاً مهماً:

هناك مساحة انتخابية لخطاب يساري جديد.

المفارقة أن اليسار لم يختفِ من الصندوق؛ بل تغيرت بعض عناوينه.

وهذا يستحق نقاشاً داخل البيت اليساري نفسه.

هل المشكلة كانت دائماً في غياب الناخب اليساري؟

أم في تعدد العروض؟

أم في ضعف القدرة على تقديم خطاب سياسي معاصر يربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية والاقتصاد وفرص الشغل والحقوق والحريات؟

نتائج 2026 لا تجيب وحدها عن هذه الأسئلة.

لكنها تمنح اليسار فرصة لطرحها بجدية.

المفارقة الكبرى: الناخب عاقب وكافأ في الوقت نفسه

هنا تصبح الانتخابات أكثر إثارة للاهتمام.

المشاركة ضعيفة.

لكن داخل هذه المشاركة المحدودة حدثت تحولات كبيرة.

حزب يتراجع بـ36 مقعداً.

حزب آخر يتقدم بـ41.

حزب تاريخي يخسر جزءاً من رصيده.

وتحالف يساري يرفع تمثيليته بسبعة مقاعد.

هذه ليست خريطة ساكنة.

إنها خريطة ناخب يتحرك، حتى لو كان عدد المشاركين في الحركة محدوداً.

وهنا يجب أن تنتبه الأحزاب إلى مفارقة خطيرة:

قد تكون المشاركة ضعيفة، لكن الذين يشاركون قادرون على تغيير الخريطة.

وهذا يعني أن العزوف لا يعني بالضرورة غياب السياسة.

أحياناً، السياسة تختبئ داخل صناديق قليلة المشاركة، لكنها تكون أكثر حسماً مما تتوقعه الأحزاب.

الرسالة ليست فقط إلى الحكومة المقبلة

الرسالة أيضاً إلى المعارضة.

وإلى اليسار.

وإلى العدالة والتنمية.

وإلى كل حزب اعتقد أن له رصيداً مضموناً.

الناخب المغربي يقول، من خلال هذه النتائج، إن المقاعد ليست ملكية خاصة.

يمكن أن ينتقل الصوت.

يمكن أن يعود حزب بعد سقوطه.

يمكن أن يتراجع حزب صاحب تاريخ.

ويمكن لتحالف جديد أن يجد لنفسه موطئ قدم داخل البرلمان.

لكن الرسالة الأعمق تظل في مكان آخر:

لا يمكن بناء حياة سياسية قوية على انتخابات يشارك فيها أقل من أربعة مواطنين من كل عشرة.

وهذه مسؤولية جماعية.

لأن السؤال الذي يجب أن يسبق انتخابات 2031 ليس فقط: من سيحصل على 100 مقعد؟

بل:

كيف سنجعل المواطن الذي لم يصوت اليوم يشعر بأن صوته يستحق أن يُسمع غداً؟

قد تكون انتخابات 2026 قد غيرت ترتيب الأحزاب.

لكنها لم تحسم معركة الثقة.

والحقيقة أن تلك المعركة هي الأهم.

فالعدالة والتنمية عاد.

الاتحاد الاشتراكي تراجع.

فيدرالية اليسار تقدمت.

والأحزاب الكبرى أعادت ترتيب مواقعها.

لكن خلف كل هذه العناوين يوجد مواطن لم يذهب إلى صندوق الاقتراع.

وربما تكون كلمته، رغم أنه لم يصوت، هي التي يجب أن تشغل السياسة المغربية أكثر من أي رقم آخر.

Copyright © 2024