حكومة المنصوري.. مفارقات التعيين وعودة الأسئلة الحزبية إلى الواجهة

بقلم: عادل حسني-

لم تكن التشكيلة الحكومية الجديدة التي استقبلها الملك محمد السادس مجرد إعلان عن توزيع الحقائب الوزارية، بل حملت في تفاصيلها إشارات سياسية وحزبية ومؤسساتية تستحق التوقف عندها. فمن حضور الأمناء العامين للأحزاب إلى عودة أسماء ذات مرجعيات سياسية واضحة، مروراً بتعيينات تستحضر مسارات سابقة في تدبير الشأن العام، تبدو الحكومة الجديدة مناسبة لإعادة طرح سؤال العلاقة بين الانتماء الحزبي والكفاءة المؤسساتية، وبين منطق التوازنات السياسية ومتطلبات تجديد النخب.

وتبرز في هذه التشكيلة مجموعة من المفارقات، لعل أبرزها ما يرتبط بحسن طارق، الأمين العام الجديد للحكومة، وبالتمثيلية الاتحادية، واستمرار عبد اللطيف وهبي في وزارة العدل، فضلاً عن إسناد حقيبة التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله، في استحضار لمسار سياسي سبق أن ارتبط بإعفائه من المسؤولية الحكومية.

حسن طارق.. من الشبيبة الاتحادية إلى الأمانة العامة للحكومة

يستحق تعيين حسن طارق أميناً عاماً للحكومة أن يتصدر قراءة التشكيلة الجديدة، بالنظر إلى المسار السياسي والأكاديمي والمؤسساتي الذي راكمه الرجل عبر محطات متعددة.

فقد سبق له أن تحمل مسؤولية الكاتب العام للشبيبة الاتحادية، كما شغل منصب مدير ديوان محمد الكحص خلال توليه كتابة الدولة المكلفة بالشباب. وانتقل لاحقاً إلى مسؤوليات مؤسساتية أخرى، من بينها سفير المملكة المغربية بتونس، ثم وسيط المملكة، قبل تعيينه أميناً عاماً للحكومة.

إننا أمام مسار يجمع بين العمل السياسي داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتدبير الإداري، والدبلوماسية، ومؤسسة الوساطة. وهو ما يمنح هذا التعيين دلالة تتجاوز مجرد إسناد منصب إداري إلى شخصية معروفة بمرجعيتها الاتحادية.

غير أن اللافت في هذا الاختيار هو أن حسن طارق، المعروف بانتمائه الفكري والسياسي إلى المدرسة الاتحادية، يتولى هذه المسؤولية من دون أن يكون تعيينه مجرد تمثيل حزبي مباشر في توزيع الحقائب الوزارية. وهنا تبرز أهمية التمييز بين الخلفية السياسية للشخصية وبين طبيعة المهمة المؤسساتية التي تتولاها.

فالأمانة العامة للحكومة ليست حقيبة سياسية بالمعنى التقليدي، بل مؤسسة محورية في إعداد النصوص القانونية ومواكبة المساطر التشريعية وضمان الانسجام القانوني للعمل الحكومي. ومن ثم، فإن التحدي الأساسي أمام حسن طارق هو توظيف تجربته المتعددة في خدمة جودة التشريع ونجاعة التنسيق المؤسساتي.

ويعيد هذا التعيين طرح سؤال أوسع: هل أصبحت الخبرة المتراكمة خارج المواقع الحزبية المباشرة مدخلاً أساسياً للوصول إلى المسؤوليات المؤسساتية العليا؟ أم أن الأمر يتعلق باختيار يجمع بين الكفاءة والخبرة والثقة في شخصية راكمت تجربة سياسية وإدارية ودبلوماسية؟

الاتحاد الاشتراكي.. حضور أبناء الشبيبة وغياب إدريس لشكر

على مستوى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تثير التشكيلة الجديدة الانتباه إلى حضور أسماء من جيل الشبيبة الاتحادية، في وقت يغيب فيه الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، عن التشكيلة الحكومية.

ويطرح هذا المعطى تساؤلات حول طبيعة التمثيلية التي اختارها الحزب، ومدى حضور الأجيال التنظيمية المختلفة في تدبير الشأن العام. فإشراك أسماء من الشبيبة الاتحادية قد يقرأ باعتباره امتداداً لمسار سياسي وتكويني داخل الحزب، كما يمكن أن يشكل فرصة لتجديد النخب وإعطاء مساحة لجيل جديد من الفاعلين.

لكن المفارقة الأبرز تتمثل في الحديث عن تعيين وزير لم يسبق له أن كان عضواً في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، رغم ارتباط التعيين بالتمثيلية الاتحادية. وإذا تأكدت هذه المعطيات وفق الصفة التي تم اعتمادها في تشكيل الحكومة، فإن الأمر يفتح نقاشاً حول الحدود بين التمثيلية الحزبية والانفتاح على شخصيات من خارج التنظيم.

فهل أصبح الانتماء الحزبي شرطاً ضرورياً لتمثيل الحزب داخل الحكومة، أم أن الأحزاب باتت تتجه إلى توسيع دائرة الاختيار لتشمل كفاءات لا تنتمي بالضرورة إلى أجهزتها التنظيمية؟

إن هذا السؤال يتجاوز حالة الاتحاد الاشتراكي وحده، ويطال طبيعة العلاقة بين الأحزاب والنخب التي تستقطبها، ومدى قدرة التنظيمات السياسية على تجديد نفسها دون التفريط في هويتها ومرجعيتها.

الأمناء العامون في الحكومة.. قيادة حزبية أم مسؤولية تنفيذية؟

من بين الملامح البارزة في التشكيلة الحكومية حضور عدد من الأمناء العامين للأحزاب المشاركة في الأغلبية ضمن الجهاز التنفيذي، وهو اختيار يعكس تداخلاً بين القيادة الحزبية والمسؤولية الحكومية.

فوجود قيادات الأحزاب في مواقع القرار التنفيذي يمكن أن يعزز وضوح المسؤولية السياسية، ويجعل الربط بين البرامج الحزبية والقرارات الحكومية أكثر مباشرة. لكنه يطرح، في المقابل، تساؤلات حول قدرة هذه القيادات على الفصل بين متطلبات التدبير الحكومي وحسابات التنظيمات التي تتولى قيادتها.

أما غياب إدريس لشكر، فيستحق القراءة ضمن هذا السياق، خصوصاً أن الحضور الحكومي للاتحاد الاشتراكي لا يعني بالضرورة مشاركة قيادته الأولى بصورة مباشرة.

وفي المحصلة، فإن القيمة السياسية لهذا الحضور لن تتحدد بعدد الأمناء العامين الذين دخلوا الحكومة، بل بمدى قدرتهم على ترجمة برامج أحزابهم إلى سياسات عمومية قابلة للتقييم والمحاسبة.

الأصالة والمعاصرة.. استمرار وهبي في وزارة العدل

بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، لم تحمل التشكيلة الجديدة مفاجآت كبيرة في بعض الاختيارات، باستثناء ما قد يثيره استمرار عبد اللطيف وهبي في وزارة العدل من نقاش سياسي ومؤسساتي.

فاستمرار وزير في منصبه قد يعكس الرغبة في مواصلة أوراش قائمة، والحفاظ على الاستمرارية في تدبير القطاع. لكنه يضعه أيضاً أمام مسؤولية مواصلة الإصلاحات وتقديم نتائج قابلة للقياس.

وتظل وزارة العدل من القطاعات التي تحظى بمتابعة واسعة من الرأي العام، بالنظر إلى ارتباطها بحقوق المواطنين، وضمانات المحاكمة العادلة، وجودة الخدمات القضائية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

لذلك، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط باستمرار وهبي من عدمه، بل بما ستسفر عنه المرحلة الجديدة من نتائج في الملفات المطروحة، ومدى انعكاسها على انتظارات المتقاضين ومطالب الإصلاح.

نبيل بنعبد الله والتربية الوطنية.. عودة إلى قطاع يحمل ذاكرة سياسية

يكتسب إسناد حقيبة التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله أهمية خاصة، بالنظر إلى خلفيته السياسية وإلى مسار سابق ارتبط فيه اسمه بقرار إعفاء من المسؤولية الحكومية.

فنبيل بنعبد الله سبق أن شغل منصب وزير السكنى والتعمير وسياسة المدينة في حكومة عبد الإله بنكيران، قبل أن يشمله الإعفاء الملكي سنة 2017، في سياق تداعيات مشروع الحسيمة منارة المتوسط، إلى جانب مسؤولين حكوميين آخرين.

وتعيد عودته إلى الحكومة، من بوابة قطاع التربية الوطنية هذه المرة، فتح النقاش حول دلالات الاستمرارية في المسارات السياسية، وحدود تأثير القرارات السابقة في فرص تولي المسؤوليات مستقبلاً.

ولا تقتصر دلالة هذا التعيين على شخص الوزير، بل تمتد إلى ذاكرة قطاع التربية الوطنية نفسه، الذي سبق أن تولى مسؤوليته إسماعيل العلوي، القيادي التاريخي في حزب التقدم والاشتراكية. وهكذا، يلتقي في هذا الاختيار حاضر الحزب مع محطات سابقة من تاريخه الحكومي، بما يعيد إلى الواجهة مسألة دور المرجعية الحزبية في تدبير واحد من أكثر القطاعات حساسية.

غير أن قطاع التربية الوطنية اليوم يواجه تحديات تتجاوز الرمزية السياسية للأسماء التي تتعاقب على قيادته. فإصلاح المدرسة العمومية، والحد من الهدر المدرسي، وتحسين جودة التعلمات، وتوفير شروط عمل مناسبة للأطر التربوية، وتقليص الفوارق بين المجالات، كلها ملفات تحتاج إلى رؤية واضحة وإجراءات ملموسة.

ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق نبيل بنعبد الله لا تتعلق فقط بتدبير قطاع واسع ومعقد، بل أيضاً بإثبات قدرة الاختيار الحكومي على تحويل التجربة السياسية إلى نتائج ملموسة في حياة التلاميذ والأسر والأطر التعليمية.

منطق التوازنات أم تجديد النخب؟

تكشف التشكيلة الحكومية الجديدة عن استمرار مركزية الأحزاب في توزيع المسؤوليات، مع حضور واضح لشخصيات راكمت تجارب سياسية وتنظيمية، وأخرى انتقلت من مواقع مؤسساتية مختلفة إلى مواقع جديدة داخل الدولة.

لكن هذه التشكيلة تطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً حول معايير الاختيار: هل الأولوية للتوازنات بين مكونات الأغلبية؟ أم للخبرة والكفاءة؟ أم أن الصيغة النهائية تجمع بين هذه الاعتبارات وفق ما تقتضيه طبيعة كل منصب؟

إن تجربة حسن طارق، بما تحمله من انتقال بين العمل الحزبي والدبلوماسي والمؤسساتي، تبرز نموذجاً للمسارات التي تتجاوز حدود المسؤولية التنظيمية المباشرة. وفي المقابل، فإن حضور الأمناء العامين واستمرار بعض الوزراء في مواقعهم يعكسان أهمية التوازنات الحزبية في بناء الفريق الحكومي.

أما حالة نبيل بنعبد الله، فتستحضر كيف يمكن للمسارات السياسية أن تعرف انقطاعات وعودات، في حين يظل معيار النجاح النهائي مرتبطاً بالقدرة على تحمل المسؤولية وتحقيق الأهداف المعلنة.

الحكومة الجديدة أمام امتحان النتائج

في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية الحكومة الجديدة في الأسماء التي تضمها وحدها، ولا في عدد الأمناء العامين المشاركين فيها، ولا في المفارقات التي تثيرها بعض التعيينات. بل تكمن في قدرتها على تحويل هذه التركيبة السياسية والمؤسساتية إلى فريق قادر على مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية.

فالمواطن المغربي ينتظر أجوبة ملموسة عن أسئلة الشغل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة، كما ينتظر إدارة أكثر نجاعة ومؤسسات أكثر قرباً من انشغالاته اليومية.

وبين رمزية رئاسة الحكومة، وحضور القيادات الحزبية، والمسارات المتعددة لبعض المسؤولين، تبقى الحكومة أمام اختبار حقيقي: أن تثبت أن التعيينات ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لخدمة المصلحة العامة.

ففي السياسة، قد تصنع الأسماء عناوين المرحلة، لكن النتائج وحدها هي التي تمنحها معناها الحقيقي.

 

Copyright © 2024