
التميز ميديا – الرباط
كشفت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، عن الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي للفترة 2026–2031، خلال تقديمه أمام مجلسي البرلمان في جلسة عمومية مشتركة، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستتمحور حول تحسين القدرة الشرائية للمغاربة، وتعزيز الدولة الاجتماعية، وإحداث فرص الشغل، وإصلاح قطاعات الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد والريع، إلى جانب تقوية السيادة المائية والطاقية والغذائية.
وأكدت المنصوري، في مستهل عرضها، أن البرنامج الحكومي يشكل تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً يستند إلى الثقة الملكية السامية وإرادة المواطنات والمواطنين التي عبروا عنها خلال الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، مشددة على أن نجاح الحكومة سيقاس بالنتائج الملموسة في الحياة اليومية للمغاربة، وليس بمجرد عدد البرامج والمشاريع المعلنة.
وأضافت أن الحكومة تسعى إلى الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن حجم الاستثمارات إلى مردوديتها، مع التركيز على معالجة الاختلالات التي تحول دون وصول ثمار التنمية إلى مختلف الفئات والمجالات الترابية.

دعم اجتماعي يصل إلى 1000 درهم وإصلاح مرتقب للتقاعد
في الجانب الاجتماعي، أعلنت رئيسة الحكومة عزمها رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع إعادة استهداف المستفيدين بناءً على دخلهم الفعلي، وتحويل هذا الدعم إلى رافعة للإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
كما كشفت عن توجه لإقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية، بالنسبة إلى الأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورتها 100 درهم، وذلك في إطار تخفيف أعباء المعيشة دون الحاجة إلى طلبات ورقية أو تنقلات إدارية.
وفي سياق تحسين دخل الأجراء، تعهدت الحكومة بإطلاق إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل، بهدف الرفع من الدخل الصافي وتشجيع التشغيل المصرح به.
وبخصوص أنظمة التقاعد، أعلنت المنصوري التوجه نحو إصلاح شامل ومتكامل، يستند إلى الحوار الاجتماعي ويحافظ على الحقوق المكتسبة، مع العمل على الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً بمختلف الأنظمة، وتمكين الأرملة من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدل النسبة المعمول بها حالياً، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
الصحة والتعليم.. الرهان على جودة الخدمات
وضعت الحكومة إصلاح المنظومة الصحية والارتقاء بالتعليم العمومي ضمن أولوياتها الأساسية، مع التأكيد على أن تعميم التغطية الصحية لا يكفي ما لم يقترن بولوج فعلي وعادل ومستمر إلى العلاج.
وفي هذا الإطار، تعهدت بتغطية الخصاص في العرض الصحي على المستوى الترابي، وتحسين استقبال المرضى ومصالح المستعجلات، وتعميم المساعدة الطبية الاستعجالية، وإرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، إلى جانب تعزيز الموارد البشرية ومواصلة الإصلاح المؤسساتي.
أما في قطاع التعليم، فتستهدف الحكومة رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031، عبر تطوير نموذج مؤسسات الريادة، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية للتلاميذ.
كما التزمت بتحقيق هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» بحلول سنة 2030، من خلال الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بمغادرة المدرسة، وإعادة إدماج المنقطعين في التعليم أو توجيههم نحو التكوين المهني والتكوين بالتدرج.
100 ألف شاب سنوياً نحو التكوين والتشغيل
وفي مواجهة تحديات البطالة والإقصاء الاقتصادي، أعلنت المنصوري إطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية والترابية ابتداءً من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب كل سنة من أول تجربة مهنية، مع رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً.
وأشارت إلى أن البرنامج يأتي في سياق يتطلب معالجة أوضاع نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، ممن يوجدون خارج التعليم والتكوين والشغل، إلى جانب الحد من الهدر المدرسي وتسهيل انتقال الشباب إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما تعهدت الحكومة بمواكبة 60 ألف مقاولة، من خلال تسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، فضلاً عن إقرار آليات لدعم التنقل المهني للشباب الذين يحصلون على فرص عمل خارج مناطق إقامتهم.
السكن القروي.. دعم بقيمة 40 ألف درهم وتأهيل 100 ألف مسكن
وفي مجال السكن وإعداد التراب، أعلنت الحكومة وضع برنامج خاص بالسكن القروي يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، مع تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، إلى جانب المواكبة التقنية المجانية.
ويهدف البرنامج، بحسب العرض الحكومي، إلى تحسين ظروف العيش في العالم القروي، وتبسيط مساطر التعمير والبناء، وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.
كما تعهدت الحكومة بمواصلة القضاء على السكن غير اللائق، وتطوير عرض وطني للسكن المخصص للكراء، وخفض كلفة السكن على الأسر، وتقريب الأحياء السكنية من فرص الشغل والنقل والخدمات الأساسية.
محاربة الفساد والريع وتخصيص 30% من الصفقات للمقاولات الصغرى والمتوسطة
وفي محور تخليق الحياة العامة، شددت رئيسة الحكومة على أن استعادة الثقة في المؤسسات تقتضي محاربة فعلية للفساد وتضارب المصالح، معلنة التوجه نحو استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، بما يشمل تجريم الإثراء غير المشروع، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، والتصدي لاستغلال المعلومات من أجل الحصول على امتيازات.
كما كشفت عن إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، بتنسيق مع مجلس المنافسة، إلى جانب إحداث آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ المحتمل في طلبات العروض.
ومن أبرز الالتزامات المعلنة في هذا الجانب، تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة، بهدف دعم النسيج الاقتصادي الوطني وتعزيز مساهمته في الإنتاج والتشغيل.
تمويل الجهات بـ12 مليار درهم سنوياً ابتداءً من 2027
وفي سياق تعزيز العدالة المجالية، أعلنت المنصوري رفع حجم التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، مع مواصلة تعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق.
كما وضعت الحكومة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة في صدارة أولوياتها، إلى جانب تسريع تنفيذ ميثاق اللاتمركز الإداري، وإعادة تنظيم الاختصاصات الجهوية وفق مبادئ الوضوح والنجاعة.
الأمن المائي والطاقي والغذائي ضمن الأولويات الاستراتيجية
وعلى مستوى السيادة الاستراتيجية، تعهدت الحكومة برفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، مع مواصلة تطوير الهيدروجين الأخضر والبنيات التحتية المرتبطة بالغاز.
وفي مجال الماء، يستهدف البرنامج تعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه في أفق سنة 2031 عبر تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر، إلى جانب تقوية العرض المائي من خلال السدود ومشاريع الربط بين الأحواض عند الضرورة.
أما في المجال الفلاحي، فأعلنت الحكومة إطلاق برنامج للسيادة في البذور يهدف إلى رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية، مع تعزيز المخزونات الاستراتيجية وتأمين تموين السوق الوطنية ودعم إعادة تكوين القطيع.
كما يشمل البرنامج وضع آلية وطنية للأمن السيبراني وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتوسيع الولوج إلى الإنترنت، وإعداد إطار للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول، مع دعم المقاولات الناشئة المبتكرة.
نمو اقتصادي بنسبة 5% وتقليص المديونية إلى 62% من الناتج الداخلي
اقتصادياً، كشفت رئيسة الحكومة عن توجه يستهدف تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027–2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة سنوياً، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026–2031.
كما تستهدف الحكومة وضع المديونية العمومية في مسار تنازلي لتقترب من 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031، عبر توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، وتعزيز مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية.
وفي السياحة، أعلنت الحكومة إعداد خارطة طريق للفترة 2027–2030، تروم بلوغ 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، بالتوازي مع تعزيز الاستثمار الخاص، الذي تستهدف الحكومة رفع مساهمته إلى ثلثي الاستثمار الوطني.
سبع أولويات لتدبير الولاية الحكومية
واختتمت المنصوري عرضها بالتأكيد على أن البرنامج الحكومي ينتظم حول سبع أولويات مترابطة، تشمل توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي، ثم بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي للمملكة.
وأكدت رئيسة الحكومة أن تنفيذ هذه الالتزامات يظل مسؤولية حكومية تخضع لرقابة البرلمان وتقييمه، مع التشديد على الانفتاح على الأغلبية والمعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والإعلام، ومواصلة الحوار بشأن المقترحات الجادة والنقد البناء.
وبين الأهداف الرقمية المعلنة والإصلاحات المرتقبة، تضع الحكومة نفسها أمام اختبار التنفيذ، إذ ستظل قدرة هذه الالتزامات على تحسين القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية، المعيار الأساسي للحكم على حصيلة الولاية الحكومية 2026–2031.
Copyright © 2024