سجال رئيسة الحكومة والمعارضة بين استعراض القوة الخطابية وانتظارات المواطنين

✍️ : عبدالله الفادي:

 النقاش الذي جمع رئيسة الحكومة بنواب المعارضة أعاد طرح أسئلة أساسية حول طبيعة الممارسة البرلمانية وحدود السجال السياسي ومدى ارتباطه بانشغالات المواطنين.

فبينما سعى نواب المعارضة إلى مساءلة رئيسة الحكومة وإحراجها بشأن برنامجها وحتى التلميح إلى حزبها، دافعت هذه الأخيرة عن حكومتها وتوجهاتها، غير أن الاهتمام انصرف أحيانًا إلى قوة الردود وقدرة كل طرف على محاصرة الآخر، بدل التركيز على جوهر القضايا والأجوبة المطلوبة عنها.

ولا يتعلق الأمر بالانتصار لطرف على حساب آخر، بل بالتذكير بأن البرلمان ليس حلبة لتصفية الحسابات، فقيمة السياسي ليست بحدة عباراته أو قدرته على إحراج خصومه أمام الكاميرات، ولكن بحججه واحترامه للاختلاف وإسهامه في إيجاد حلول للمشكلات المطروحة.

فالمغاربة لا ينتظرون معرفة من أفحم الآخر، بقدر ما ينتظرون من أقنعهم، وقدم أجوبة عن أسئلتهم، وحول الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة.

وتتحمل المعارضة، باعتبارها مكونًا أساسيًا في العمل الديمقراطي، مسؤولية ممارسة رقابتها بجدية، وتقديم نقد مبني على الوقائع، واقتراح بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ، وفي المقابل، يتعين على الحكومة توضيح اختياراتها والدفاع عن برنامجها بالأرقام والمعطيات، والتفاعل مع الأسئلة المشروعة بعيدًا عن التبرير أو التقليل من شأن الانتقادات.

لذلك، لا ينبغي تقييم النقاش البرلماني من خلال تحديد الطرف الذي خرج منتصرًا في سجال كلامي، بل  بمدى مساهمته في توضيح السياسات العمومية وتنوير الرأي العام، فهل حصل المواطن على أجوبة مقنعة؟ وهل قدمت معطيات كافية ؟ وهل طرحت بدائل عملية تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية؟

هذه الأسئلة أهم من تداول المقاطع الأكثر إثارة أو إصدار أحكام سريعة حول من انتصر ومن انهزم، فالمواطن يريد معرفة ما ستفعله الحكومة لتحسين القدرة الشرائية، ومواجهة البطالة، وتجويد خدمات الصحة والتعليم. كما ينتظر من المعارضة تجاوز تسجيل المواقف إلى تقديم مقترحات عملية، وجعل المساءلة وسيلة لتصحيح الاختلالات لا مجرد مناسبة لإثبات الحضور السياسي.

ولا يعني ذلك رفض حدة النقاش أو قوة المواجهة، فالديمقراطية تحتاج إلى معارضة قوية وحكومة قادرة على الدفاع عن اختياراته، لكن الخلاف يفقد قيمته عندما يتحول إلى تبادل للاتهامات أو منافسة حول العبارة الأكثر استفزازًا، بدل الاحتكام إلى الوقائع والحجج.

كما أن نجاح الحكومة في الرد على منتقديها لا يتبت وحده نجاح سياساتها، وإحراجها من طرف المعارضة لا يعني تلقائيًا تقديم البديل الأفضل، فالممارسة البرلمانية الجادة تقتضي التمييز بين الخصومة السياسية والعداء الشخصي، وبين قوة الخطاب وفعالية القرار، فالبرلمان مؤسسة للتشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية، وليس مكان لحصر العمل السياسي في سجال يتنتهي بانتهاء الجلسة.

قد يرى أنصار كل طرف أن ممثليهم كانوا الأكثر إقناعًا، تتحول بعض الردود إلى مادة للتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذه الانطباعات تبقى محدودة الأثر ما لم تنعكس على جودة الأداء السياسي والاستجابة لحاجات المجتمع.

المواجهة الحقيقية بين الحكومة والمعارضة ليس في من أفحم الآخر، بل في تحديد من استطاع تقديم ما يفيد المواطنين، فالمغاربة يحتاجون إلى سياسات ناجعة، والتزامات واضحة، ومحاسبة جدية، ونتائج يلمسون أثرها في حياتهم اليومية، وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن تقاس به قيمة النقاش البرلماني. 

Copyright © 2024