رئيس النيابة العامة: مكافحة الفساد العابر للحدود تتطلب تعاوناً دولياً وثقافة امتثال راسخة

نجيب مصباح-

أكد رئيس النيابة العامة أن التصدي لجرائم الفساد العابرة للحدود لم يعد ممكناً بالاعتماد على الجهود الوطنية فقط، بل أصبح رهيناً بتعزيز التعاون القضائي الدولي وترسيخ ثقافة الامتثال داخل المؤسسات والمقاولات، وذلك في ظل التحولات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية التي جعلت من الفساد ظاهرة ذات امتداد دولي متزايد.

وجاء ذلك خلال مشاركته، اليوم الجمعة 10 يوليوز 2026 بمدينة طنجة، في افتتاح أشغال الندوة الدولية التي تنظمها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها حول موضوع: “القوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد خارج الإقليم”، تحت شعار: “من السيادة القانونية إلى الامتثال العالمي: تحديات القوانين ذات الامتداد خارج الإقليم أمام القطاعين العام والخاص”.

وأوضح رئيس النيابة العامة أن التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، خاصة على مستوى المبادلات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية، أفرزت أنماطاً جديدة من الجرائم تتجاوز الحدود الجغرافية للدول، مما فرض تطوير التشريعات الوطنية وإرساء آليات أكثر فعالية للتعاون القضائي الدولي بهدف ملاحقة المتورطين في جرائم الفساد والحد من ظاهرة الإفلات من العقاب.

وأشار إلى أن القوانين ذات الامتداد خارج الإقليم لا تمثل مساساً بمبدأ السيادة الوطنية، بل تعد استجابة قانونية حديثة لطبيعة الجرائم العابرة للحدود، وتسهم في حماية المصالح الاقتصادية والمالية للدول وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية في المعاملات الدولية.

وفي استعراضه للجهود المغربية في هذا المجال، أبرز المسؤول القضائي أن المملكة عملت على ملاءمة منظومتها القانونية مع المعايير الدولية من خلال إرساء إطار متكامل للتعاون القضائي الدولي، بما يضمن فعالية أكبر للعدالة الجنائية في مواجهة جرائم الفساد ذات البعد الدولي، وذلك في انسجام تام مع التزامات المغرب الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

كما شدد على أن ثقافة الامتثال أصبحت اليوم ركيزة أساسية في الحكامة الجيدة داخل المقاولات والمؤسسات، مؤكداً أنها لم تعد مجرد التزام قانوني، بل تحولت إلى خيار استراتيجي يعزز مناعة المؤسسات ويرفع من قدرتها التنافسية. ودعا في هذا السياق إلى اعتماد برامج فعالة للامتثال ترتكز على تقييم المخاطر، وتطوير أنظمة المراقبة الداخلية، وترسيخ قيم النزاهة والشفافية داخل بيئة العمل.

وأكد رئيس النيابة العامة أن مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة تشكلان من بين الأولويات الأساسية للسياسة الجنائية بالمملكة، تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تعزيز دولة الحق والقانون وترسيخ الثقة في المؤسسات، مشيراً إلى انخراط رئاسة النيابة العامة في مختلف آليات التعاون القضائي الدولي وتفعيل المساعدة القضائية المتبادلة، إلى جانب تطوير الشراكات مع الهيئات والمنظمات الدولية المختصة.

وفي السياق ذاته، سلط الضوء على منصة e-TABLIGH التي أطلقتها رئاسة النيابة العامة، والتي تتيح للمواطنين داخل المغرب وخارجه إمكانية التبليغ عن جرائم الفساد والرشوة والجرائم الماسة بالمال العام عبر آلية رقمية آمنة وفعالة، بما يساهم في تعزيز الوقاية والكشف المبكر عن هذه الجرائم.

واختتم رئيس النيابة العامة كلمته بالتنويه بالمبادرة التي أطلقتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها من خلال تنظيم هذه الندوة الدولية، معرباً عن أمله في أن تفضي أشغالها إلى بلورة توصيات ومقاربات قانونية ومؤسساتية أكثر نجاعة لمواجهة الفساد العابر للحدود، وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية وسيادة القانون على المستويين الوطني والدولي.

Copyright © 2024