إيقاعات “الوتار” تنشر الدفء داخل أسوار السجون

أشرف لكنيزي-
في مبادرة فنية تحمل الكثير من الأبعاد الإنسانية، عمّت أنغام آلة “الوتار” أروقة السجون المحلية بسطات وبرشيد وابن أحمد وبنسليمان، ضمن برنامج فني نظّمته جمعية المغرب العميق لحماية التراث، في إطار فعاليات المهرجان الوطني للوتار – إيقاعات المغرب.

وتأتي هذه الأنشطة الفنية في سياق شراكة تجمع الجمعية بالمديرية الإقليمية للثقافة بسطات، وإدارات السجون المحلية المعنية، وهي مبادرة دأبت عليها الجمعية عبر تنظيم أمسيات موسيقية داخل المؤسسات الاجتماعية والسجنية منذ الدورات الأولى للمهرجان، الذي يُنظم بدعم من وزارة الشباب والثقافة والاتصال – قطاع الثقافة، والمجلس الجهوي للدار البيضاء–سطات.

ووفق الجهة المنظمة، فإن هذه المبادرة تأتي انسجاماً مع الأجواء الاحتفالية التي تعيشها المملكة بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة وعيد الوحدة، حيث جرى إشراك النزلاء والنزيلات في هذه المحطات الوطنية، عبر لحظات فنية تُعيد إليهم الشعور بالانتماء والمشاركة في الاحتفالات الوطنية.

وأوضحت الجمعية أن هذه الأنشطة تأتي في إطار دعم المقاربة التي تعتمدها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، من خلال إشراك فعاليات المجتمع المدني في البرامج الموجهة لتأهيل النزلاء وتيسير اندماجهم الاجتماعي بعد الإفراج عنهم، عبر برامج تراهن على الفن والثقافة كمداخل أساسية لإعادة بناء الذات.

وقد شهدت هذه العروض تجاوباً كبيراً من طرف النزلاء والنزيلات، الذين عبّروا عن ترحيبهم بالبرنامج الفني المقدم، وأبانوا عن مستوى عالٍ من الانضباط والتنظيم والتفاعل مع اللوحات الموسيقية التي قدمها شيوخ وفنانو آلة الوتار، مما خلق أجواء استثنائية داخل المؤسسات السجنية.

وتميزت الفقرات الفنية بعزف ارتجالي وتفاعلي على الوتار، أعاد إحياء الذاكرة الفنية الشعبية المغربية داخل فضاءات مغلقة، لتتحول القاعات إلى مساحات للفرح، والبوح، واستعادة الإحساس الإنساني الذي يجعل الفن جسراً بين العزلة والمجتمع.

وتجمع مختلف الأطراف المنظمة على أن هذه المبادرات الفنية لا تُعد مجرد نشاط ترفيهي، بل تدخل في صلب البرامج الهادفة إلى تقوية الروابط الاجتماعية للنزلاء، وتحسين وضعهم النفسي، ومنحهم فرصاً للتواصل الإيجابي داخل المؤسسة السجنية، بما ينسجم مع فلسفة إعادة الإدماج التي تقوم على تمكين الإنسان من استعادة دوره داخل المجتمع.

هكذا، نجحت أنغام الوتار في أن تتجاوز الأسوار، وأن تلامس قلوب من وجدوا في الموسيقى لحظة نور وسط واقع صعب… لتثبت مرة أخرى أن الفن، مهما كان المكان، يظل لغة حياة لا تنطفئ.

Copyright © 2024