
عبد الله الفادي
دعا الدكتور منصف اليازغي المتخصص في السياسات الرياضية، والذي يعد من أبرز الخبراء في تحليل وتوثيق تاريخ الرياضة وعلاقتها بالسياسة في المغرب، إلى ضرورة التعامل بحذر وعقلانية مع سقف التوقعات المرتفع المحيط بالمنتخب المغربي، مؤكداً أن المبالغة قد تخلق نوعاً من الوهم الذي يجعل الصدمة قاسية إذا لم تتحقق النتائج المرجوة.

ووضح خلال حديثه على قانته الرقمية الخاصة على منصة اليوتوب، أنه منذ الإنجاز التاريخي في كأس العالم بقطر واحتلال المغرب للمركز الرابع عالمياً، وهو أمر يقول، نعتز ونفتخر به كثيراً، أصبحنا موزعين بين أمرين، أولهما رأي عام عالمي وإعلام دولي يهلل للمغرب وينبش في أسباب هذا النجاح، مشيداً بأكاديمية محمد السادس والمركز الوطني لكرة القدم، لدرجة دفعته إلى ترشيح المغرب للفوز بكأس العالم 2026. وثانيهما هو تغير لغتنا داخلياً بالمغرب، فلم نعد نرضى بمجرد المشاركة أو التأهل بل أصبحنا نبحث عن الألقاب والنتائج وتحقيق مسار أفضل، وهذا منطق سليم يخرجنا من قوقعة المشاركة إلى أفق الفوز.
لكن الخطورة تكمن يشرح الدكتور منصف في أن هذا التحول امتد لدرجة الإحساس بوجوب الفوز بجميع البطولات وبحصص عالية، حتى بات الفوز بنتيجة هدف لصفر غير مقنع للكثيرين الذين يطالبون بمستوى خارق دائماً، وهذا الفخ قد يصيبنا في مقتل لأنه يسقطنا في دوامة تضخيم الذات.
ودعا المتحدث إلى وجوب ستعاب أن كرة القدم ليست عملية حسابية مضبوطة، بل هي اللعبة التي لا علم لها، وشرح وذكر أن التاريخ القريب علمنا دروساً قاسية، فالبرازيل خسرت أمام جمهورها بسباعية أمام ألمانيا، وفرنسا حاملة لقب 98 خرجت من الدور الأول في مونديال 2002، وبلجيكا التي كانت في نصف نهائي 2018 أُقصيت من الدور الأول في قطر على يد المغرب. هذه كلها أدلة على أن النتائج السابقة لا تضمن ما ستحققه لاحقاً.
وواصل المتحدث أن كرة القدم تتحكم بها جزئيات وتفاصيل صغيرة خارجة عن السيطرة، فقد تعكر إصابة لاعب أو لاعبين كل البرمجة والتوقعات، أو قد نواجه سوء تقدير من المدرب، أو قرارات تحكيمية مجحفة، أو تضييع ضربة جزاء. وحتى منتخب مثل هايتي، الذي يحتل مركزاً متأخراً عالمياً، قادر على خلق المفاجأة وإجبارنا على الخسارة أو التعادل.”
وزاد صاحب كتاب السياسة الرياضية بالمغرب 1912 أنه لا يمكن إنكار أن المغرب هو من أحدث ثورة في عقلية القارة الإفريقية ودول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وجعلها تتحدث بمنطق القدرة على الفوز بكأس العالم وبلوغ نصف النهائي. لكن في المقابل، تحول المنظور تجاه المغرب ليصبح بمثابة عقبة أو عقدة يسعى الآخرون لكسرها، حيث بات نجاح بعض المنتخبات مرتبطاً فقط بتحقيق مرتبة أعلى من المغرب أو الفرح بإقصائه، لدرجة أن المنافسين أصبحوا يحتفلون بشكل هستيري لمجرد الفوز على الفئات السنية للمغرب، بعد أن كانوا يعتبرون مواجهتنا محطة عادية في السابق.
واستغرب من كون دولاً لم تتجاوز الدور الثاني في تاريخها أو لم تسجل هدفاً في المونديال، تتحدث من الآن عن بلوغ النهائي مستغلة التطور الإيجابي الذي صنعه المغرب في المنطقة.
وقال اليازغي أن الوصول إلى القمة صعب، لكن الحفاظ عليها هو الأصعب، وأن دول قليلة مثل فرنسا وكرواتيا استطاعت الحفاظ على وتيرة تصاعدية في السنوات الأخيرة، بينما عانت منتخبات كبرى مثل هولندا وإيطاليا من هزات حادة وغيابات عن المونديال. وفي ظل تنظيم كأس عالم بـ 48 منتخباً، تصبح المنافسة أشد واليقين ببلوغ أدوار متقدمة أمراً غير مضمون.
ونفى الدكتور منصف اليازغي كليا أن يكون يمهد للهزيمة، بل يتحدث بمنطق التجارب والموضوعية، ولا يهمه لالمرة ما قاله أنشيلوتي، ولا ملامح الرعب التي قيل إنها ظهرت على البرازيليين أثناء القرعة، ولا ما يروجه الإعلام التونسي أو المصري، أو حتى الإعلام البائس في الجزائر الذي يترك منتخب بلاده ليتحدث عن المغرب، كما لا تهمه التوقعات الصحفية الإسبانية والفرنسية التي تضع المغرب في النهائي، ولا حتى ما قالته العرافة ليلى عبد اللطيف، بل الأهم بالنسبة له هو أن نضع أرجلنا على الأرض، وأن نتعامل مع البطولة بمبدأ مباراة بمباراة، وأن نتواضع ونستوعب أننا لسنا وحدنا في هذا العالم، فالمنافسون يستعدون ولديهم لاعبون يمتلكون قيم سوقية أعلى بكثير من لاعبينا، وواصل، إذا فزنا سنكون أول الفرحين وسنحتفل مع أبنائنا في الشوارع .
Copyright © 2024