
محمد طيب-
يحمل هذا المساء ثقلاً استثنائياً في تاريخ الكرة المغربية، فعلى أرضية ملعب ميتلايف بنيوجيرسي، يواجه المنتخب المغربي في الجولة الافتتاحية من المجموعة الثالثة بكأس العالم 2026 منتخب البرازيل، صاحب الألقاب العالمية الخمسة. إنها مواجهة بين حلم أفريقي في طور البناء وتاريخ أمريكي جنوبي راسخ في ذاكرة الكرة. غير أن ما يجعل هذه المباراة بالغة الخطورة والإثارة هو أنها ليست مجرد لقاء كروي، بل هي في جوهرها معركة حول الصدارة، إذ يرى كثير من المحللين أن من سيفوز بهذه المقابلة سيمسك بمفاتيح المجموعة كلها.
ذاكرة اللقاءات: ثلاث مواجهات في تاريخ متقطع
لم يلتقِ المنتخبان في تاريخهما إلا ثلاث مرات، تحمل كل واحدة منها دلالة خاصة. الأولى كانت مقابلة ودية في أكتوبر 1997 بمدينة بيليم البرازيلية، فاز فيها السيلساو بثنائية نظيفة عبر هدفَي دينيلسون في الدقائق الأخيرة. بعدها بأشهر قليلة، في يونيو 1998 ببوردو الفرنسية، التقى الفريقان مجدداً في كأس العالم ضمن المجموعة الأولى التي شهدت اللقاء الوحيد والأوحد بين البلدين في تاريخ المونديال، فمني الأسود بهزيمة ثقيلة بثلاثة أهداف دون رد، أمام منتخب كان يضم في صفوفه رونالدو في أوج مجده. وفي مارس 2023 أعاد الأسود رسم المعادلة حين استضيف المنتخب البرازيلي في مدينة طنجة، حقق المنتخب المغربي فوزاً ثميناً بهدفين مقابل هدف واحد، عبر أهداف سفيان بوفال وعبد الحميد صبيري، في حين جاء هدف البرازيل من قدم كاسيميرو. هكذا يأتي الفريقان إلى هذه المباراة بميزان تاريخي ضيق، فوزان للبرازيل مقابل فوز واحد للمغرب، وبلا أي تعادل، وهذا يُشير إلى أن المباريات بين الطرفين قد لا تقبل التعادل.
المغرب في المباريات الافتتاحية: سجل شاهد على الطريق الوعر
قبل الغوص في تحليل هذه المباراة بالذات، لا بد من الوقوف عند سجل المنتخب المغربي في المباريات الافتتاحية عبر تاريخ مشاركاته في كأس العالم، إذ يكشف هذا السجل عن نمط مثير وعلاقة متقلبة مع الجولة الأولى. في كأس العالم 1970 بالمكسيك، افتتح المغرب مشواره بخسارة أمام ألمانيا الغربية بهدف مقابل هدفين، ثم مُني بخسارة ثانية أمام البيرو بثلاثة أهداف نظيفة، قبل أن ينتزع نقطته التاريخية في مواجهة بلغاريا بتعادل إيجابي وضعه في سجل الكرة الأفريقية، بوصفه أول تعادل في تاريخ القارة السمراء بكأس العالم. أما في مونديال المكسيك 1986، العام الذهبي في تاريخ الكرة المغربية، فقد بدأ المنتخب بتعادلين دفاعيين أمام بولندا وإنجلترا، قبل أن يصنع الانتصار الكبير بثلاثة أهداف على البرتغال، ليتصدر المجموعة ويكتب اسمه بالذهب في سجل الكرة الأفريقية مرة أخرى، بوصفه أول منتخب قاري يتخطى دور المجموعات.
في الولايات المتحدة 1994 كان الافتتاح مباشرة بخسارة أمام هولندا بهدفين دون رد. وفي فرنسا 1998 كانت البداية بهزيمة قاسية، هي الهزيمة الأشد في المسيرة المغربية بالمونديال، وكانت أمام البرازيل تحديداً بثلاثة أهداف نظيفة. وفي روسيا 2018، بعد غياب عشرين سنة، بدأ المغرب مشواره بهزيمة مُؤلمة أمام إيران بهدف قاتل في الوقت بدل الضائع. لكن 2022 كانت مختلفة تماماً، فقد افتتح الأسود مشوارهم بتعادل بطعم الانتصار أمام كرواتيا، المرشحة للبطولة، ثم شهدنا ملحمة المغاربة في مونديال قطر.
هذه المراجعة السريعة تكشف أن المغرب نادراً ما يبدأ مونديالياته بانتصار واضح، وأن المباراة الافتتاحية كانت دائماً أمام الكبار.
حسابات الميدان: البرازيل بين الطموح والغياب
تأتي البرازيل إلى هذه المباراة وهي تحت إمرة أحد أذكى مدربي كرة القدم في التاريخ، كارلو أنشيلوتي، الذي يسعى لإضافة لقب كأس العالم إلى رصيده الاستثنائي. الصورة الهجومية للسيلساو تبقى من الأقوى في هذه البطولة، مع وجود فينيسيوس جونيور على الجناح الأيسر، وهو في أوج مسيرته وقوته، إلى جانب رافينيا الذي حقق موسماً استثنائياً مع برشلونة. وفي قلب الهجوم تتنافس خيارات من طراز ماتيوس كونها وإندريك.
غير أن ثمة جرحاً نازفاً في صفوف السيلساو، فنيمار الذي كان مثار الجدل حين ضمّه أنشيلوتي رغم تجاوزه الرابعة والثلاثين، يُعاني من الإصابة ولن يشارك في المباراة الافتتاحية للبرازيل في مواجهة المغرب، تاركاً فراغاً إبداعياً ليس سهل الملء. علاوة على ذلك، يغيب المدافع الأيمن ويسلي بسبب الإصابة، فيما تبقى بعض علامات الاستفهام حول التنظيم الدفاعي لهذه التشكيلة. في الوسط يعتمد أنشيلوتي على كاسيميرو وبرونو غيمارايش بوصفهما ثنائياً محورياً، وهو ثنائي يجمع بين البنية والصناعة. دون إغفال حضور رباعي الدفاع، دانيلو وماركينيوس وغابريال ماغالياش وأليكس ساندرو.
خيارات وهبي: بناء تحت الضغط
المدرب محمد وهبي يخوض اليوم أصعب مواجهة في مسيرته التدريبية كلها، ومع ذلك فهو لا يأتي إلى ميتلايف خالي الوفاض. فتحت إمرته أنهى المنتخب تصفيات أفريقيا بسجل مثالي، وقاد الفريق في خمس مباريات تحضيرية بثلاثة انتصارات وتعادلَين دون هزيمة. لكن أبرز ما يشغل أذهان المتابعين هو التشكيلة المتوقعة في غياب الزلزولي ونايف أكرد.
ياسين بونو يحرس المرمى بكل ثقة وتجربة، وخط الدفاع يضم رباعياً من حكيمي الذي يأتي متوجاً بدوري أبطال أوروبا مع باريس سان جيرمان، إلى جانب شادي رياض وعيسى ديوب في القلب، ومزراوي على اليسار إن أثبت لياقته، أو بلعمري بدلاً منه. في خط الوسط يُشكّل أيوب بوعدي ونائل العيناوي ثنائياً قادراً على التوازن بين الضغط وصناعة الألعاب، في حين تبقى مساحة عز الدين أوناحي وبلال الخنوس حاضرة للإبداع. أما هجومياً، فإبراهيم دياز، الذي سجّل في مباراة النرويج التحضيرية، يبقى رأس الحربة، وعلى الأجنحة تتنافس خيارات الصيباري والخنوس وغيرهما.
حكيمي من جهته لن يكون مجرد مدافع في هذه المباراة، هجومياته على الجانب الأيمن قد تكون مفتاح الضغط الأمامي المغربي وإشغال المدافعين البرازيليين بمنطقتهم. كذلك يمتلك المغرب في بونو حارساً من بين الأفضل في العالم، وهو المعطى الذي قد يكون الفارق في اللحظات الحرجة.
Copyright © 2024